Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

أنين اللوحة التشكيلية في مستنقع اللعب والعبثية

أنين اللوحة التشكيلية في مستنقع اللعب والعبثية
استراحة و فنون - 0:19 - 31/08/2015 - عدد القراء : 416

من السرف الحكم على اللوحة التشكيلية بالعبثية، نظرا لكون الفن في أصله ضرورة نفسية واجتماعية، فلا يأتي إنجازها عبثيا إلا إذا آمن صاحبها بنيل الشهرة مجانا وبالسماح لنفسه بتضييع أوقاته وتخطيطاته وأصباغه، في ما لا يفيد ولا يجدي، وهكذا تبرز بين الفينة والأخرى أعمال تشكيلية لا تفيد معنى ولا تفيد تركيبتها وألوانها جمالية تذكر، وكثيرا ما نصادف من يتحدث عن الفوضى الفنية باعتبارها ظاهرة مُصَحِّرة جارفة مهولة ستحول حدائق الفن إلى أطلال بلا تقاسيم ولا معالم، تجد كينونتها خارج المقاييس الدنيا للجودة والملمح الجمالي. والحال أن الكثير من المبدعين والمبدعات يسمحون لكل لخبطاتهم وكل ضربات فرشاتهم بأن تَعْرِضَ نفسها أمام الجمهور بمختلف مستوياتهم وفئاتهم، من دون أن يعيروها اهتمام الحريص على احترام الذوق، واهتمام الحريص على التهذيب وملامسة الجمال في حقيقته، ما جعلنا ويجعلنا نستبدل حقائق الجمال الفني بالأوهام والأحكام الواهية، وبتعلات مستندة إلى الحرية وإطلاق العنان للخيال، وما إلى ذلك من الادعاءات المسيئة إلى الإبداع وأصحابه. في الوقت الذي تفتقد إلى تجربة وخبرة تمنحها دينامية تعبيرية تمس بعضا من مؤثثات الواقع القريب إلى ذاكرة وعين المشاهد. فولوج الإبداع بمختلف أجناسه يقتضي موهبة مصقولة بالدربة والاستفادة من أعمال الآخرين، مع البحث المتواصل عن الجديد والممكن بغية التمكن من آليات وتقنيات راقية تحمل الجدة والتطوير الإبداعي، وفق تطور العصر، من دون أن تفقد جذورها بالأصول .ومما يستدل بعبثية الكثيرين كونهم لم يجربوا في إبداعاتهم سوى التجريد المباشر لسهولة الإنجاز في إطاره، ولأنه لا يقتضي لا فكرة ولا إلهاما، وإنما يفسح المجال للتجريب بلا حدود. سار الفن التشكيلي بذلك ميسرا ولوج محرابه بلا مقدمات ولا محددات، فتعددت الأعمال في المهرجانات والملتقيات، وكلها خواء في خواء، وحين الإعلام ينفخ في ثناياها تصبح مقبولة بالإرغام والإكراه، لكن الجمهور كيفما كان مستواه الثقافي والاجتماعي لن يدع التساؤل حول القواعد والمعايير المعتمدة في تقييم وإنجاز تلك الأعمال، ولن يفلح في الإجابة، لأن ما لا يؤطر مفهوميا ونوعيا وتركيبيا لا يمكن تحديد ماهيته ومؤداه. والكثيرون ممن ينتهى بهم المطاف إلى التجريدية، كانوا أوفياء للواقعية والانطباعية وغيرها، فجاءت تجريدياتهم جميلة تدل على عمق تجربتهم الفنية.الجميل يقتضي التضحية، ويقتضي تحمل المتاعب عبر البحث والقراءة والتساؤل، والتجريب المبني على التبصر وعمق النظرة الجمالية، وإلا فسنفتح الأبواب أمام كل من سولت نفسه الاقتحام الغاصب لمحراب الفن، فتستفحل السباحة في الخيالات العابثة، والأوهام المفسدة للذوق والمغيبة للتفنن اللامس للجمال في علاقته بوجدان ومحيط الإنسان. لهذا نرى أن اللوحة التشكيلية ينبغي:
ـ أن تعكس موقف المبدع عبر فنية تلامس بعضا من مفردات الواقع، وإن كانت تجريدية، فلا تستغلق أمام المشاهد استغلاقا مطبقا.
ـ أن يظهر فيها جهد الفنان ولمسته الإبداعية التي تميز عمله الفني عن غيره من الفنانين الآخرين، فالإبداع هو المختلف.
ـ أن تقدم الموضوعات والوضعيات بشكل يبعدها عن المحاكاة المباشرة.
ـ أن تأتي في تركيبة إيقاعية متناسقة تحمل رسالة ما.
ـ أن تعالج أمرا يؤثر على المشاهد تأثيرا جماليا وجدانيا .
ـ أن تستند إلى نظرة جمالية تعكسها الخطوط والتناسقات اللونية وفق تركيبات إبداعية ملحوظة.
إن المباشرة التجريدية في العمل الفني تقتل ألقه حين تبتعد به عن أي علاقة بالواقع، وعن أي صلة بالتركيبات الجمالية المؤسسة على خبرة بصرية وإيقاعية. إن الفن وسيلة نبيلة تحمل المفردات معمقة إياها، ومانحة إياها فسحة للرؤية الجوهرية لها، وكل من يحاول الانطلاق من لا شيء كي ينتج شيئا جميلا واهمٌ وهما لا حدود له، ومجازف يروم الجدة والنوعية فيسقط في الرداءة والضحالة، وإذا كانت العملية الإبداعية مسؤولية إنسانية رائعة، فالواجب علينا كمبدعين أن نتحمل متاعبها ونتحمل ضريبة البحث المتواصل من أجل التطوير الصحيح والحقيقي، سعيا وراء الأداء الإبداعي المقبول. إن العبث واللعب بالألوان والرتوشات العشوائية أسهل وأوهن من الإحْكام، والسر في الإبداع الرزين والرصين يكمن في الصبر على اكتساب ملكات تجعلك مستمتعا ممتعا لغيرك. ونعتبر كل عبث بالفن وأدواته عبثا بعقول وأذواق الجماهير التي نروم التواصل معها عبر إبداعاتنا وإنجازاتنا الفنية التي من المفروض أن يجد فيها بعضا من همومه ومسراته وطموحاته.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
41°
37°
الخميس
39°
الجمعة
ShorjaShop

استبيان

ما رايكم في الموقع الجديد؟

الافتتاحية