Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

الفيلم الفلسطيني «أيار»… حيفا التي في حالة انتظار

الفيلم الفلسطيني «أيار»… حيفا التي في حالة انتظار
استراحة و فنون - 5:15 - 17/06/2020 - عدد القراء : 68

 سليم البيك

كيف يمكن صناعة فيلم بمدة خمس دقائق؟ متى تكون هذه الدقائق الخمس فيلماً، ومتى تكون «فيديو»، وهذا الـ»فيديو» يتراوح بين تشغيلٍ للكاميرا في أيّ إطار وأيّ صوت -مؤثرات كانت أم كلاماً- وتسجيلِ الدقائق الخمس بمنطق «كيفما أتت فلتأتِ»، وتصويرٍ يكون أكثر تقريرياً أليَق بالتلفزيون منه بالسينما.يصعب على صانع الأفلام أن يصنع واحداً بمدة خمس دقائق، ويسهل على غيره، فيكون الاختلاف هنا، في المحصلة، في رؤية هذا الصانع إلى السينما، في تعريفه – غير المُدرَك بالكلمات بالضرورة، بل بالصور المتحركة- لما يكونه الفيلم. ولا يعيب تفاوت هذا الإدراك عن ذاك، ولا ينقض واحدهما الآخر. إنّما لنفرق بين الفيديو والفيلم – وقد يسبب كلاهما متعة مُشاهَدة، فهذه مسألة أخرى- لا بد لي، كمُشاهدٍ متطلّب، من الشعور بالانسجام في ما أشاهده ومعه، صوتاً وصورة وكلمات، وبتواصليّة ما أشاهده كعمل فنّي واحد، يكمل كلُّ إطارٍ/لحظةٍ فيه ما سبقه، فتتشكل سردية لهذا الفيلم، أو قصة قصيرة يمكن أن تُحكى في خمس دقائق، أو لنستعِر العبارة الإنكليزية (Punchline) لنقول إنّ حضور هذا(البَنش-لاين) هو المفرّق في هذه الدقائق الخمس، بين الفيلم المتصاعد بسرديّته والمنسجمة عناصره، والفيديو الذي يمكن أن يكون قد صُوّر بكاميرا مفتوحةً بالخطأ.حملني إلى هذه المقدمة الفيلمُ القصير للفلسطينية مها حاج، «أيار»، وهو أحد ستة أفلام أطلقتها مؤسسة «فيلم لاب – فلسطين» قبل أيام في دفعة أولى، على أن تلحقها دفعتان من أفلام تروي جميعها يوميّة الحجر المنزلي الذي يعيشه صانعو الأفلام الفلسطينيون، داخل البلد وخارجه. الأفلام تتراوح في جودتها وهذا طبيعي، لكنّها، بجمعها معاً، تشكّل وثيقة فنية ضرورية، لهذه الجائحة التي مرّ بها الفلسطينيون كغيرهم، في رؤى هي ذاتية كما هي جمعية.في «أيار» حيث الزمن واقعي، فهي خمس دقائق لدى شخصياته كذلك، هنالك هذه الشخصيات: المخرجة ذاتها، قطّتها إيفا، وضيفها عامر حليحل. يمرّ الزمن بحوارات بين ثلاثتهم، بين مها وعامر بالكلام، وبينهما وبين إيفا، بحركات الأخيرة. والكلام الذي يمرّ خلال الزمن المذكور لا يقتصر على الحوارات، بل يتعداها إلى نصٍّ للباحث جوني منصور من كتابه «حيفا» يحكي عن احتلال المدينة، يبدو كنصٍ مسموع عن الراديو، وآخَر يقرأه عامر وهو رسالته إلى وليَم شكسبير يخبره فيها عن حالة الحجر التي تعيشها فلسطين، وتأثيرها على المسارح فيها. هذه الأشكال الثلاثة من الكلام (الحوار، النص، الرسالة) تداخلت لتصنع القصة (البَنش-لاين، لنقُل) المصوَّرة من وجهة نظر القطة إيفا، وهذا تفصيل آخر يخص الصورة لا الزمن، سنرجع إليه.تتداخل أشكال الكلام الثلاثة لتبني القصة ضمن انسجام مكثّف لتحتويه هذه الدقائق الخمس، فيبدأ الفيلم بالنَّص عن احتلال حيفا، يُدخلنا في سياق تاريخي أخرجنا الفيلم به من زمنه الراهن وهو زمن الجائحة والحجْر، مدخلاً، النصُّ، إيانا بجائحة تاريخية طالت الفلسطينيين منذ احتلال حيفا وكل فلسطين، معلنةً حجْراً على أهل هذا الوطن في كافة أماكن تجمعهم/تشتتهم (حجْرُ الحكم العسكري في حيفا ونواحيها وحجرُ المخيمات للاجئين عن حيفا ونواحيها). هذه الإحالة التاريخية التي أتت بصدفة أن يُصوَّر الفيلم في يوم ذكرى النكبة (15 مايو/أيار 1948)، وضعتنا في السياق الذي ندرك به تاريخيته، منطلقين منه إلى القصة التي لحقت، زمانياً، هذا النص المقروء، والآتية مع الشكل الآخر من الكلام هنا، وهو الحوار بين مها وعامر، لندخل في يوميّة راهنة لحجر عام 2020. كأنّ الفاصل بين الحَجْرين هو ثوانٍ، كأنّ تداخلاً بينهما يعيشه أهل حيفا، وذلك بأن النكبة وآثارها ماتزال مستمرة.والحوار بالكلمات بين عامر ومها، يتخلله حوار بالنظرات بينهما كإطار وبين القطّة إيفا بملامحها وحركاتها. تجلس إيفا منتظرة، في نهاية الفيلم، تحدّق في شاشة تلفزيون ثابتة مكتوب عليها «سنواصل بثّنا بعد انتهاء ذكرى يوم النكبة»يدخل قائلاً إنّه هنا ليطمئنّ عليها في حجرها المنزلي بعدما لم تجب على اتصالاته، مصطحباً معه رسالته التي سيقرأها، وهي تعرف أنّه لم يأت لذلك. ندخل في حوار يومي عادي، إنّما السياق التاريخي الذي وضعنا فيه النّص الأوّل، ملحقاً بالرسالة التي سيقرأها عامر، يعطي للحوار تاريخيته وراهنيته، زماناً ومكاناً: حيفا التي تعيش حجراً آخر يُحكى لشكسبير، يلي الحجر الذي عاشته على إثر النّكبة، وكلا الحجرين كافٍ لإقلاق أحدنا متى لم يردّ الآخر على اتصالاته.الحوار بالكلمات بين عامر ومها، يتخلله حوار بالنظرات بينهما كإطار وبين القطّة إيفا بملامحها وحركاتها. تجلس إيفا منتظرة، في نهاية الفيلم، تحدّق في شاشة تلفزيون ثابتة مكتوب عليها «سنواصل بثّنا بعد انتهاء ذكرى يوم النكبة»، بعدما راقبت، بملل، قراءة عامر لرسالته وشكواه من الحجر الطارئ. كأنّها تدرك أنّ لا جواب سيصله من شكسبير، كما لم يصله جواب من مها بعدما اتصل بها مراراً ليطمئن عليها (أو يزورها كي تصحّح له رسالته)، كما لم يصل لأهالي النكبة، وهم يدقّون على جدران الخزّان كما كتب غسان كنفاني، أيّ جواب. تجلس إيفا أمام التلفزيون وحيدة في غرفة، كأنّها محجورة، تشاهد، كأهل حيفا وكل فلسطين المحجورين، ذكرى جديدة لإحياء النكبة إنّما بشاشة عالقة، كحالة انتظار عبثية لا تنتهي، تنتظر بدون مجيب، لتختلط حالة الحجر بحالة مماثلة ومرافقة دائمة هي الانتظار. هو هنا انتظارٌ لبثٍّ لن يأتي طالما كانت النكبة مستمرة وحيّة، كراهن وكذكرى.أعود إلى التصوير، إلى الصورة من وجهة نظر إيفا، بكاميرا منخفضة (كأنّنا أمام مَشاهد للياباني ياسوجيرو أوزو) أقرب لتكون تأملية وشاعرية في لحظات السكون من الفيلم، حيث اللقطات، بمعظمها، ذاتية، كأنّنا، كمشاهدين أو كقطّة، ندرك حالة الانتظار لجواب مها التي عاشها عامر، والتي عاشها قبله أهالي حيفا منذ تهجيرهم عام النكبة، والتي تواصلُ القطة عيشها، وذلك أمام بثّ تلفزيوني مقطوع يذكّر بالمشهد الأخير من فيلم إيليا سليمان «سجل اختفاء»، حيث يعيش والداه أمام التلفزيون حالة انتظار لانتهاء النشيد الوطني الإسرائيلي، كشكل آخر من استمرارية النكبة وتكرار ذكراها وإدامة الانتظار.هذه النظرة الذاتية التي نقلتها مها حاج بحساسية، أتت، لحالة الحجر ولحصر الفيلم في البيت، تصويراً مقرَّباً على ملامح إيفا وحركاتها، دامجةً، بذلك، بين لقطَتَي ما سماه جيل دولوز بـ»الصورة/الانفعال العاطفي» و»الصورة/الفعل»، فتداخلت الملامح بالحركات في الإطار ذاته. هو من ناحية لصغر حجم الجسم المُصوَّر وهي هنا قطة، وهو ثانياً وترميزاً، لتماهي الملامح (الانفعال العاطفي) بالحركات (الفعل) ضمن الحيز المتاح في حالة الحجر، وهو هنا البيت/المخيّم/المدينة/الوطن، وهذا الضيق يتجسد زمانياً بالدقائق الخمس من زمن الفيلم السردي والواقعي والمكثَّف.في الفيلم (تصوير ومونتاج عمر جبارين)، بدقائقه الخمس، شخصيات، حوارات، سياقات، وكذلك موسيقى (لمنذر عودة)، وهنالك – وهذا ما يجعلها خمس دقائق سينمائية- انسجاما وتداخلات وعلاقات وتتابعات تصنع كلّها القصّة ككوميديا سوداء، وقد جمعت بكثافة ما يمكن أن يبدو، بنظرة أولى، متناقضات: حيفا والنكبة، إيفا وشكسبير. وقد صنعت مها حاج بهذه «المتناقضات» فيلمها ضمن سياق هو تاريخ، وهو راهن في فلسطين، نختصره هنا بحالة الحجر، وبحالة اللاجواب التي عاشها الفلسطينيون، في الداخل تحديداً، مهما بعثوا برسائل إلى العالم، أو مهما دقّوا جدران الخزان.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
31°
42°
الخميس
46°
الجمعة

استبيان

الافتتاحية