Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

دراما مترهلة تعجّ بالثغرات رغم الميزانية الضخمة وتعدد النجوم.

دراما مترهلة تعجّ بالثغرات رغم الميزانية الضخمة وتعدد النجوم.
استراحة و فنون - 1:20 - 01/09/2020 - عدد القراء : 157

"بانتظار البرابرة".. عداوة وهمية داخل صراع عنصري

يقف المخرج الكولومبي ثيرو غيرا في فيلم “بانتظار البرابرة” على أرض صلبة لجهة السيناريو المأخوذ عن رواية للكاتب الجنوب أفريقي جون ماكسويل كوتزي، الحاصل على جائزة نوبل للآداب، والتي كان قد نشرها في العام 1980، وسوف يكون من حُسن حظ المخرج أن الكاتب اللامع هو نفسه كاتب السيناريو. لكن هل وفّق المخرج في تحويل الرواية إلى عمل سينمائي ناجح؟على مدار صحراوي مديد تسير قافلة صغيرة بخيلها وحرّاسها قادمة باتجاه ثكنة عسكرية في مكان ما. الوقائع تنتمي إلى القرن العشرين، ويمكنك أن تستنتج أنه بعض بقايا الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.لكن ما جدوى وما أهمية تلك الغزوة أو المهمة في بقعة حدودية نائية لا يكاد يتذكّرها أحد لكي تتحوّل إلى قضية عسكرية بل لتكون موضوع فيلم “بانتظار البرابرة” للمخرج الكولومبي ثيرو غيرا في ثالث أفلامه بعد فيلمي “عناق الأفعى” (2015) و”طيور المعبر” (2018).

شخصيتان متناقضتان

مع المشاهد الأولى بعد وصول تلك العربة التي تجرها الخيول سوف ننشغل بمهمة الضابط جول (الممثل جوني ديب) الذي سيأتي في مهمة للتحرّي عن الأعداء البرابرة المتجمعين عند الحدود، ويهدّدون أمن وإستراتيجية الإمبراطورية.وفي المقابل، وعلى النقيض من تنمر الجنرال جول، هناك القاضي الذي يحكم تلك الثكنة أو النقطة الحدودية (الممثل مارك ريلانس)، وبمجرد اللقاء الأول بين الرجلين يتأكّد التناقض الصارخ بينهما.فالقاضي يعيش مع الأقوام التي تعيش هناك بسلام ولديه عقوبتان لمن يخالف النظام أو يرتكب خطأ ما، وهما الغرامة المالية أو القيام بعمل في الزراعة أو النظافة أو غير ذلك، ولهذا تحوّل عنده السجن إلى مخزن للغلال.الجنرال جول على النقيض من هذه الأجواء؛ فقد جاء محملا بفكرة الضغط والصبر، وأن أولئك البرابرة الأعداء يجب انتزاع الحقيقة منهم بهاتين الوسيلتين، فهم سوف يكذبون ولسوف يتم الضغط عليهم حتى الوصول إلى الحقيقة.الحوار الذي يجري بين الرجلين يقدّم صورة مجسّمة للعالمين المختلفين بل المتناقضين، لكن ذلك لن يوقف جول عن أداء مهمته، ولهذا يشرع في التعذيب والاستجواب ليجد من بين من تم استجوابهم فتاة من أصول تعود إلى آسيا الوسطى وقد تسبّب لها جول في إعاقة بثقب كاحلي قدميها وقتل قريب لها دون ذنب.يشكل ظهور هذه المرأة  تحوّلا في البناء الدرامي، فلم يكن من المتوقع أن يعاملها القاضي بهذه الطريقة فيرعاها ويغسل قدميها ثم يعيدها إلى قبيلتها متحملا رحلة طويلة ومتعرضا للمخاطر وعصف الصحراء، ثم يقابل بلا مبالاة القبيلة واكتفائها بالسماح له بالعودة حيا.من هنا سوف نشهد دراما فيلمية تنطوي على الكثير من الثغرات وتثير العديد من التساؤلات حول الجدوى من أفعال الشخصيات التي لا تسهم بأي شكل من الأشكال في تصعيد الدراما، فالقاضي يتصرّف وكأنه منقطع عن الزمان والمكان وعن السياق الدرامي كذلك، وهو أمر غريب.على أن المواجهة وشبه المحاكمة العسكرية التي سوف يتعرّض لها القاضي هي وجه آخر من أوجه ذلك الترهل، إذ يتهم القاضي بالخيانة والتواطؤ مع الأعداء ويُنحّى من منصبه ويسجن في سلسلة مشاهد قدّمت القاضي في موقف هزيل للغاية.

أسئلة عالقة

خلال ذلك يتم رسم صورة غريبة عن الأعداء البرابرة الافتراضيين، فرغم هذا التحشيد ابتداءً من عنوان الفيلم وصولا إلى مجيء الجنرال جول وحملته للتحقّق من السجناء واستخراج معلومات منهم حول نوايا أولئك البرابرة، إلاّ أننا لم نشهد شيئا من أفعال أولئك البرابرة ولا شاهدنا حشودهم.في المقابل، كانت أحداث أغلب الزمن الفيلمي تقع في بيئة شرقية والناس ذوو ملامح عربية على أساس أن الفيلم تم تصويره في المغرب. لكن وجود السجينة من آسيا الوسطى ثم انتقال القاضي في رحلة طويلة لتسليمها إلى قبيلتها أظهرا لنا أقواما من آسيا الوسطى أيضا، فمن هم البرابرة يا ترى، أهم شرقيون أم آسيويون؟ ولماذا التمويه والتعتيم المكاني والاجتماعي؟ هذه الأسئلة لم نجد لها إجابات.وإذا عدنا إلى شخصية القاضي فهو يمضي يومه في التعرّف على عادات وأفكار وتراث أولئك الأقوام -البرابرة- من خلال جمع آثار وموروثات منهم والقيام بتحليلها والكتابة عنها، حتى غصّت غرفته بالرقع التي يكتبها عنهم، وبذلك أراد إيصال فكرة أنه ازداد اقترابا منهم وتفهما لهم.ومن جهة أخرى افترض الفيلم أن تلك النقطة الحدودية المجهولة تقع في وسط بلدة صغيرة بدليل قلة عدد من ظهروا في العمل، فإما أنهم قد احتموا بتلك النقطة الحدودية وصاروا يتعاونون مع السلطات ضد غرماء لهم أو أن قوة المخفر الحدودي هي قوة احتلال، ولن تتّضح محصلة واضحة طيلة الفيلم حتى محاكمة القاضي.ها هو القاضي في زنزانته مسلوب السلطة وفي وضع بائس وعاجز، فهو شخصية تنقصها عناصر المبادرة والتخلص من الأزمة، بل تم بناؤها وفق شخصية باهتة مستسلمة تنتظر قدرها على الرغم من مطالبته بمحاكمة قانونية صحيحة لكي يقوم بالدفاع عن نفسه.على أن مهمة الجنرال لن تنتهي عند هذا الحد، فها هو يجلب مجموعة ممن يسمّون برابرة. ولكن هذه المرة يكونون ذوي شعر طويل وملامح تشبه ملامح الهنود الحمر حتى ضاعت الحقيقة الاجتماعية وقضية العرق الذي ينتمي إليه هؤلاء.أما بالنسبة إلى القاضي في وضعه البائس، فها هو يدافع عن أولئك الأشخاص الذين يتم سوقهم بسبب الخيانة والتآمر ويتم جلدهم في ميدان عام، وهو ما يغضب القاضي لإدراكه أن قبائلهم سوف تنتقم لهم. لكنه سوف يتلقى المزيد من الضرب العنيف.وتنحصر الأحداث هنا في حدود تلك المساحة من الثكنة والجمهور المحدود الذي يأتي للفرجة على حفلات التعذيب التي تطال العديد من الأشخاص الذين لا يبدو أنهم مسلحون أو يضمرون شرا للإمبراطورية أو للثكنات. لكن الأمر بالنسبة إلى الجنرال جول مختلف، كل أولئك هم أعداء وتجب معاقبتهم وقبل ذلك تعذيبهم.في الأثناء نشاهد القاضي في أوضاع مزرية، ملقى على الأرض في فصل الشتاء ثم واقفا للمحاكمة من قبل جول في مشاهد متتابعة تظهر بؤس القاضي وقلة حيلته، حيث لا تدخل حبكات ثانوية ذات قيمة تسهم في دفع الأحداث إلى الأمام. ولهذا سوف نبقى في دائرة تلك المواجهة بين جول وبين القاضي حتى تتحوّل إلى مسألة انتقام وتنكيل شخصي.وفي إطار تلك المواجهة والتحقيق يقرأ القاضي بعض المخطوطات التي تتضمن حوارات بين أشخاص لا تحقّق الغرض المنشود من ناحية المساهمة في كشف الحقيقة أو التأثير بشكل ما في المسار الدرامي، وإنما هي مجرد مشاهد حوارية لا تضيف شيئا إلى البناء الدرامي في الفيلم.

علاقة غريبة

أما إذا حاولنا فهم علاقة القاضي بالمرأة، فيتبين لنا أن هناك غموضا وضبابية، ربما تكون أسرته تعيش بعيدا عنه في بلده الأصلي الذي لم نعرفه. المرأة هنا تتمثل في نموذجين، لكن الأهم أن المرأة التي أخرجها من السجن واعتنى بها أشد العناية قد تأثّرت بالروح الإنسانية التي يتمتع بها القاضي وكيف أنه أنقذ حياتها من الألم والتشرّد حتى اطمأنت وصارت تنام إلى جانبه مطمئنة.لا تنشأ هنا علاقة درامية – عاطفية بين الطرفين لتزيد الموقف غموضا، لاسيما بعد أن يطلب منها القاضي وبإلحاح أن تترك فكرة العودة إلى قبيلتها وأن تعيش معه، لكن الفتاة وفي اللحظة الأخيرة والمصيرية تصرّ على العودة، وهذا مثال آخر على إهمال حبكة ثانوية كان من الممكن أن تسهم في تغيير مسار الأحداث.لا شك أن عودة الفتاة إلى قبيلتها قد أنهت ما تم تأسيسه، فقد كانت عنايته بها ثم اطمئنانها له مقدّمات مفتوحة على احتمالات عديدة، منها أن القاضي قد أحب الفتاة وأراد الاحتفاظ بها، وكان قَطْعُه كل تلك المسافة الطويلة للوصول إلى قبيلتها كافيا لتأكيد أنه سوف يحظى بموافقة القبيلة. لكن الأمر لم يكن كذلك وانقلبت الصورة باتجاه آخر.أما إذا انتقلنا دراميا في اتجاه خط سردي آخر، فإن الجنرال لن يجد ضالته في تلك المهمة التي انتهت بهزيمته. لكن السجال بينه وبين القاضي قدّم صورة صادمة وغير متوقعة، فالجنرال الذي أشبع القاضي إهانة لم ينل ما أراده على افتراض أن القاضي متواطئ مع البرابرة، وأن عنده خزينا من المعلومات عليه الكشف عنها. لكنه لم يكشف عنها.المجهول الغرائبي هو ذاك الذي نسجه الجنرال جول من خياله وتوقعاته الشخصية وافتراضه أن البشر من حوله جميعا هم أعداء أو مشكوك فيهم، وأما البرابرة الذين لم نرهم طيلة الفيلم بالشكل الذي رسمه خياله فيبدو أنهم قادمون من كل مكان كما يظهر ذلك في المشهد الأخير من الفيلم.وإذا تأملنا الدور الدرامي المهم الذي يلعبه الممثل جوني ديب، فإن موضعا كهذا الذي وضع فيه كان ينطوي على قدر من المبالغة وأحيانا اللاجدوى، فدوره لم يتكفل بقلب الأحداث وإنتاج خطوط سردية جديدة موازية بل أظهره في صورة مجرد مدّع متغطرس فارغ يصطدم بالواقع ولا يستطيع تحقيق أي هدف من أهدافه سوى التشفي من القاضي وإذلاله.وعلى الجهة الأخرى بدت الإمبراطورية وكأنها سلّمت بالأمر الواقع وأسلمت تلك الأرض الحدودية مجددا للقاضي، طالما ليس هناك خوف من الحشود القادمة، وأن القاضي يتولى كل شيء بهدوء وسلاسة وهو المُتصالح مع الكل.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
27°
37°
الخميس
39°
الجمعة

استبيان

الافتتاحية