Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

“الثورة الاسلامية”.. الفراغ وتخلخل التوازنات

الافتتاحية - 2:41 - 12/02/2018 - عدد القراء : 21

بسم الله الرحمن الرحيم
“الثورة الاسلامية”.. الفراغ وتخلخل التوازنات
قبل شهرين من عودة الامام الخميني قدس سره كنت في طهران. عبرت في كانون الاول 1978 الى ايران قادماً من قواعد الثورة الكردية داخل العراق، والتي اسسها المرحوم الاخ الصديق “مام جلال” واخوانه في “الاتحاد الوطني” وبقية القوى. وصلت الى طهران، على أمل السفر منها الى بيروت حيث كان مقر اقامتي يومها. كانت “الثورة” حديثنا اليومي، وانتصارها همنا الاول. لكنني بقيت فترة في طهران، “مجبر اخاك لا بطل”. فلقد هطلت ثلوج كثيفة، ورفض العمال المضربون ازالتها، فتوقف الاقلاع والهبوط. فكانت فرصة للمشاركة ولمشاهدة تكتيكات الثورة في صفحاتها الاخيرة، والتي نجحت في تعبئة مليونية للجماهير قل نظيرها، وفي اختراق قوى النظام، وبث الخوف والذعر في صفوفه. ليس باستخدام العنف مقابل العنف، بل بتعريته بالحقائق، وعبر خطاب عميق مؤثر استطاع ان يكسب ليس الجماهير فقط، بل ان يربك ويكسب، قوى كانت لفترة قريبة من النظام. فنزلت الجماهير الى الشوارع، جماعات صغيرة ومظاهرات مليونية.. وان تعذر الامر فاطلاق صيحات “الله اكبر” من على اسطح المنازل، في صوت واحد من اول المدن لاقصاها، مما جعل قوى النظام عاجزة عن فعل شيء.. فبدأت بالتفكك والانهيار الواحدة تلو الاخرى، والاستسلام والانضمام لصفوف الثورة. لم تنتصر “الثورة” بالقتل والتخريب والفوضى والسحل، بل بالقيادة والوحدة والنظام واستخدام الورود والصدور العارية يستقبلون بها العساكر والدبابات، رغم التضحيات العظيمة في الارواح، رافعين شعار ان “الدم يهزم السيف”.. دماء الشهداء تهزم جبروت الطغاة. وكلما تقدمت الثورة خطوة، كلما ازداد اليأس والانشقاق في صفوف النظام، مما دفع الشاه وعائلته وكبار المسؤولين لمغادرة البلاد، ليعود الامام ظافراً منتصراً في شباط 1979، في واحدة من اعظم الثورات السلمية في التاريخ، والتي هزت تداعياتها -وما زالت تهز- ليس ايران والمنطقة فقط بل العالم اجمع.
سيقّيم البعض “الثورة” واثارها بعيون مذهبية، او بعيون امريكية وغربية وإعلامية، او قومية وعلمانية او دينية، فيراها المناصر من زاوية ويراها المناوىء من اخرى. لكن “الثورة” في حقيقتها هي اوسع رد فعل منظم وشامل على الفراغ والاختلال الحاصلين لبلدان وشعوب المنطقة نتيجة فقدان التوازن الداخلي لحساب التوازن الخارجي وزرع دولة “اسرائيل”.. نعم هناك ابعاد وطنية “للثورة”، ولكن البعد الاهم هو ان روح “الثورة” انطلقت ونجحت ساعية للاعتماد على مكنوناتها القيمية والدينية والتنظيمية الداخلية للتعامل مع نفسها ومع خارجها.. خلافاً لما صار عليه وضع معظم بلدان المنطقة التي باتت مكنوناتها انعكاساً لقيم ومنظومات خارجية زرعت مشوهة وممسوخة في داخلها.
لا يمكن لمنطقة تصدرت تاريخ البشرية لالاف السنين ان تتحول خلال فترة قصيرة –في حسابات التاريخ- لمنطقة بائسة في مؤخرة الامم.. هذه اكذوبة. فليس هناك مشكلة في ديننا وقيمنا وعقولنا وتنظيماتنا وشعوبنا.. فمنطقتنا وشعوبنا كانت قادرة عبر التاريخ ان تتفاعل مع كل الارهاصات المحلية والعالمية، تأخذ وتعطي، ولها قدرات تقدم عظيمة، وهضم كبيرة لمخرجات غيرها. وان قهرها بالنظم الاستعمارية العسكرية والاقتصادية والقيمية وغيرها قد ولد واقعاً يختلف تماماً عن مكنوناتنا لو انطلقت حرة ومستقلة، والتي لن تكون اقل قدرة على الاستمرارية مع تاريخ طويل بكل ما فيه من عظيم، والانقطاع عن موروثات بالية ونظرات متحجرة تحجز الطريق امام مواكبة تطورات الحياة والعصر. فالامم الحية، كالانسان، ينهض اساساً بروحه وليس بروح غيره.
“الثورة الاسلامية” هي ابرز حركة شهدناها خلال العقود الاخيرة لرفض الهيمنة والتبعية، ولعودة منطقتنا وشعوبنا الى ذاتها وقدراتها ومنظوماتها. هذا هو جوهر الحدث.. وما ينتشر تحت انظارنا، من اتهامات وتدخلات وحروب ونزاعات وانتشار نفوذ اطراف وافول اخرى، هو التداعيات الملازمة لاختلال توازن النظام الاقليمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الاولى والثانية، وولادة مؤلمة وقاسية وبطيئة ومعقدة ومتداخلة لما سيحل مكانها.
عادل عبد المهدي

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
35°
43°
الجمعة
41°
السبت

استبيان

الافتتاحية