Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

نهضة الصين ودورها في النظام العالمي الجديد

نهضة الصين ودورها في النظام العالمي الجديد
الصفحة الاولى - 1:26 - 24/06/2021 - عدد القراء : 301

(العدالة) تنشر النص الكامل لمقال السيد عادل عبد المهدي (نهضة الصين ودورها في النظام العالمي) والذي تم نشره في مجلة (الصين اليوم) باللغة العربية على جزئين كما تم ترجمته الى اللغة الصينية بهدف نشره ايضا..

147201-1948940761

عادل عبد المهدي

استخف كثيرون بما كتبه آلان بيرفيت “Alain Payrefitte” في سنة 1973 في مؤلفه ((عندما تستيقظ الصين سيرتجف العالم)). فالفقر يومها كان يعم الصين، وصعوباتها وتحدياتها كثيرة ومعقدة، وكانت نفسها من بلدان العالم الثالث. علما أن المقولة منسوبة أيضا لنابليون الأول في ((سانت هيلين)) عام 1816، بقوله: “اتركوا الصين نائمة، فالصين عندما تستيقظ سيرتجف العالم كله.”
في عام 1972، كان معدل الدخل الفردي للصين بالأسعار الجارية 132 دولارا أمريكيا للفرد، ومرتبتها 114 عالميا، بينما كان في الولايات المتحدة الأمريكية 6094 دولارا أمريكيا للفرد، ومرتبتها الثانية. وفي عام 2019، بلغ معدل دخل الفرد في الصين 10410 دولارا أمريكيا، ومرتبتها 66 عالميا، وأصبح في الولايات المتحدة الأمريكية 65118 دولارا أمريكيا للفرد، متراجعة للمرتبة التاسعة. فارتفع المعدل في الصين خلال 47 عاما حوالي 77 مرة، بينما ارتفع في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 10 مرات فقط للفترة ذاتها. وكان الناتج الوطني الإجمالي بالأسعار الجارية في الصين 688ر13 مليار دولار أمريكي في عام 1972 ومرتبتها السابعة عالميا، وجاءت الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الأولى محققة 279ر1 تريليون دولار أمريكي. وفي عام 2019، صارت الصين الثانية عالميا ببلوغها 342ر14 تريليون دولار أمريكي، لتقترب من الولايات المتحدة الأمريكية والتي بقيت الأولى محققة 374ر21 تريليون دولار أمريكي. فارتفع الناتج الوطني الإجمالي خلال 47 عاما بمقدار 16 مرة تقريبا في الولايات المتحدة الأمريكية، وارتفع في الصين خلال نفس الفترة 126 مرة. وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الصيني سيتجاوز نظيره الأمريكي في عام 2028، بدلا من عام 2033 كما كان يُقدر سابقا. وفي عام 2020، تقدمت الصين على الولايات المتحدة الأمريكية في حجم التجارة مع الاتحاد الأوروبي، إذ بلغ 586 مليار يورو، وهو أكثر بنحو 31 مليار يورو من حجم التجارة الأوروبية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي بلغ 555 مليار يورو في نفس العام، حسب “يوروستات”. في الحقيقة، لم ولا يرتجف العالم لنهضة الصين، بل ارتجف ويرتجف من كان يأخذ وينهب من حقوق وحصص وإمكانيات وثروات الصين وبلدان العالم الثالث طوال قرون طويلة. يرتجف من يريد تجديد النظام الاستعماري الاستلابي بشكل أو بآخر. لهذا، عاد آلان بيرفيت ليكتب في سنة 1996 كتابه “الصين قد استيقظت”، مؤكداً إنجازاتها الكبرى. الشعوب الآسيوية وشعوب العالم الثالث، بل شعوب العالم عموما تستبشر خيرا بنهضة الصين، لأنها ترى في نهضتها نهضة وفائدة لها. فإذا كانت الصين قد تمكنت من التخلص من استعمارها وتبعيتها وضعفها وفقرها، وتصبح أمة تمتلك تكنولوجيات متقدمة ومؤسسات علمية واقتصادية وإدارية عريقة تقدمت فيها على أكثر الدول تقدما، فلماذا لا تلهم هذه التجربة دول العالم الثالث الأخرى؟
لم تحقق الصين هذه النهضة باستعمار ونهب غيرها، ولم تسعَ لنقل أنماط عيشها وثقافاتها ونظمها ومعاييرها الخاصة، بل حققتها بجهدها الخاص أساسا، وبتعبئة قوى شعبها، وبرسم طريق متوازن لنهضتها، يجمع بين تراثها الفكري والتطبيقي من جهة وبين التعلم من التجارب العالمية خصوصا الغربية من جهة أخرى. فنسبة استثماراتها الخارجية في ناتجها الوطني الإجمالي كانت 09ر1% في عام 2019، وكان في عام 1993 صفرا، حسب “غلوبل إيكونومي”. فإذا كانت الصين قادرة على ذلك وهي المطلوب منها إطعام وتعليم ورعاية حوالي خُمس سكان الأرض، فلماذا لا يستطيع غيرها تحقيق ذلك؟ فالبشرية سبق وألهمتها النهضة الغربية وحاولت الاستفادة والتعلم منها واقتباس الكثير من تجاربها. لكن، يبدو أن النهضة الغربية لازمها الكثير من الموروثات الاستعمارية والإمبريالية والاستعلائية والعنصرية، مما أغلق الباب على البشرية للاستفادة من هذه النهضة الهائلة كما يجب. بل تحولت النهضة الغربية- في حالات كثيرة- إلى غزوات وحروب وتهجير واستيطان ونهب وإفقار وحصار وعقوبات وإجراءات تمييزية مورست بحق الكثير من الأمم، مما قاد إلى تمزيق كل علاقاتها وروابطها التاريخية والمجتمعية دافعة بها لطرق تنموية محبوسة، وللانشغال بمعارك فيما بينها حسب الخرائط والمفاهيم المجتزأة التي غرستها الخرائط الاستعمارية، مما قسم العالم إلى شمال عصري متقدم، وجنوب فقير متخلف.
أدركت التجربة الصينية في فترة مبكرة الاختلافات بين الشعارات والواقع، وبين النظريات والتطبيق، فاختطت لنفسها طريقا خاصا. فسارت بتجربتها من الأرياف إلى المدن. وجعلت عمادها الفلاحين قبل العمال. ولم تدمر قديما لقدمه، ولم تستورد حديثا لحداثته، بل تبنت من القديم والحديث كل ما يساعدها وينفعها. وزاوجت بوعي بين الثقافة التقليدية والكونفوشية وخصوصية اشتراكيتها مع الثقافة الغربية، بما فيها ثقافة الأحزاب الاشتراكية والشيوعية الغربية. فقدمت نموذجا بديلا من خلال تجربة مريرة معمدة بالدماء والمعاناة والنجاحات والاخفاقات؛ نموذجا يعتمد على استنهاض قواها ويطور بناها التحتية والارتكازية، رابطا أرجاءها الواسعة بشبكة فعالة للمواصلات والاتصالات، ولتتبنى أنماط العمل ووسائل الإنتاج الأنسب لأوضاعها وقدراتها، ولتصبح بضائعها العالية الجودة والرخيصة الكلفة هي المدفعية الثقيلة التي تفكك بقايا النظام الاقطاعي أو الاستعماري القديم في الصين وفي العالم، وتعيد للشرق مكانته ودوره عبر تفوق وتقدم الأقدر وانتصار الأفضل عبر المنافسة المتكافئة، وليس عبر القسر والإخضاع أساسا.
نحو نظام عالمي جديد: التزاوج والتعايش والتنافس وليس الهيمنة هو الإطار والسبيل
لا بديل سوى تزاوج الغرب والشرق، من دون أي هيمنة أو سيطرة أو فرض قيم. النظام العالمي ليس نظاما شيوعيا أو رأسماليا أو إسلاميا أو مسيحيا أو يهوديا، أو غير ذلك. النظام العالمي هو الجميع بتلاوينهم. هو نظام بأنظمة متعددة، حواري بتنوعه، تضبطه معايير عادلة تمنح الفرصة لكل الشعوب والأمم. نظام عادل ومؤسسات شفافة، لا تقف خلفها محافل ومنتديات وتجمعات وشبكات سرية وشبه سرية هي التي تتحكم بقراراتها وسياساتها. تتحرك تحت لافتة “المجتمع الدولي”، الذي يمثل حاليا قرارات وسياسات عدد محدود من الدول ومجتمعاتها تسعى للتحكم بأغلبية الدول ومجتمعاتها، بيدها المال والقدرات ومفاتيح الأمور ووسائل الضغط والإعلام والتواصل الاجتماعي والمصارف والتحركات العسكرية والاستخباراتية. تعمل وفق مناهج غامضة، وخاصة على حساب المصالح والمنافع العامة. آن الأوان لتكون الحقوق والواجبات بين الأمم كحقوق وواجبات المواطنين- فقرائهم وأغنيائهم- في تساوي الفرص. نعم، هناك تاريخ يلقي بضلاله من عدم العدالة ويجعل عدم المساواة حاليا أمرا واقعيا. لكننا يجب أن نعمل للتخلص من ذلك الواقع الظالم اللامتكافىء لا تكريسه وشرعنته. فلا توجد بالمطلق أمة صالحة/ خيرة/ مسالمة، وأمة طالحة/ مارقة/ إرهابية. ولا جنس أو لون ملائكي وآخر شيطاني. الخير والشر تختزنه كل الشعوب والأمم. وعلى جميع الشعوب والأمم تشجيع الأول ومحاربة الثاني. فعندما تستولي أفكار وممارسات العدوان على بلد ما، فإن “النظام الدولي”، أو “المجتمع الدولي” يجب أن يكون قادرا على تعريف ذلك واتخاذ موقف موحد إزاءه بالمعايير العامة المتفق عليها، التي يمكن عبرها تعريف العدوان والإرهاب والظلم ومفاهيم الحرية والعبودية، عندها لا يمكن لدول وأمم محددة أن تنسب هذا الحق لنفسها باسم “المجتمع الدولي” وتحرمه على الآخرين. أمم لا يخلو تاريخها من تاريخ استعماري وعنصري وعدواني لم يتخلص جزء مهم منه من هذا التراث، أو ما زال قسم كبير منه يحلم للعودة إليه. وما مثال الاحتلال الاستيطاني لفلسطين والدعم الذي يحظى به من البعض إلا صورة من صور هذا الحنين. فالتاريخ أدان الاستعمار والاستيلاء على حقوق الآخرين، وأدانته الأمم المتحدة في ميثاقها في الفصل الحادي عشر والعديد من قراراتها التي تنص على أهمية حصول الدول تحت الاستعمار على استقلالها، لتحكم الشعوب نفسها بنفسها، وإدانة كل أشكال التمييز العنصري والاستيطان الاستعماري والإرهاب من الآخر وتجارة العبيد خصوصا عبر الأطلسي، والتعهد بمحو الاستعمار بكل أشكاله، وقيام الدولة المستعمِرة بالتعويض عن استعمارها، باعتبار ذلك جرائم ضد الإنسانية، إلخ، كما القرارات 1514، 2106، و119/65 للأعوام 1960، 1961 و2010 على التوالي.
شعوب الشرق والعالم الثالث مستبشرة خيرا بالنهضة الصينية وبمشروع “الحزام والطريق”
إن الفضاءات المشتركة هي كالأواني المستطرقة. عندما يتحقق تقدم في جزء فإن قانونه- ما لم يُحجز- سيساعد بقنوات وأشكال مختلفة على انتقال التقدم إلى الأقسام الأخرى لذلك الفضاء. فالغرب لم ينهض كله دفعة واحدة، بل نهضت فيه مناطق معينة وسحبت كامل فضائها معها. فـ”الحزام والطريق” ليس مشروعا جديدا للسيطرة على العالم، بل هو المشروع العالمي الذي انتظمت فيه علاقات القارات والشعوب قبل عصر الاستكشافات. إنه إحياء “طريق الحرير” الذي حاول الأوروبيون الالتفاف عليه، كما عكست ذلك حملة “كولومبس” نحو مصدر التوابل في الهند. صحيح أن إثبات كروية الأرض واكتشاف القارات الجديدة هو جزء من حركة الإنسانية والحضارة، لكن يجب عدم انكار أن العلوم ومصادر القوة الجديدة التي رافقت عصر التنوير والاستكشافات التي قدمت للبشرية منجزات عظمى من جانب قد استخدمت من جانب آخر لاستعمار العالم استعمارا حديثا لا يشبه أي غزو عرفته البشرية في تاريخها. يجب الاعتراف أن ما تحقق من تقدم في أطراف من المعمورة أو مجالات من الحياة كان على حساب تدمير أطراف أعظم ومجالات أخطر. وهو السبب الأساسي الذي تهيكل فيه العالم الجديد لشمال وجنوب، وغرب وشرق، ودول متقدمة وأخرى متخلفة، أو إلى تقدم القدرات البشرية قبال تفكيك التوازنات الحياتية والبيئية. فعودة “الحزام والطريق” أو “طريق الحرير” هي أيضا معالجة ما دُمر خلال القرون القليلة الماضية، حيث تقطعت أوصال الأمم والقارات وحلت فلسفة وحشية للحياة محورها الربحية والأنوية والملذات السريعة بدل الفلسفة المتوازنة التي تجمع بين الروح والمادة، والفرد والجماعة والإنسان والطبيعة وحقائق الخلق.
“الحزام والطريق” ليس بدعة جديدة بل واقع تاريخي
مشروع “الحزام والطريق” هو إحياء لما اصطلح على تسميته “طريق الحرير”. وهو الاسم الذي أطلقه في عام 1877 الرحالة الألماني “فرديناد ريتشهوفن” على شبكة العلاقات التي كانت تربط بلدان الشرق وأفريقيا بأوروبا. إنه شبكة الحضارة العالمية وعلاقاتها ومرتكزاتها منذ آلاف السنين، عندما كان الشرق وآسيا من المراكز الأساسية للحضارة العالمية، سواء الاقتصادية أو العلمية أو الإدارية أو الروحية، والتي تراجع دورها مع ظهور الاستعمار. إنه البنى والشبكات اللوجستية والثقافية والاجتماعية وعمليات التلاقح والتبادل بين الحضارات والشعوب والبلدان، فيما يسمى بالعالم القديم، والذي مزقته خرائط الاستعمار الجديد. فهو ليس بدعة جديدة. بل يجد أساساته في حقائق وبناءات قديمة ومعروفة.
نهضة الصين والشرق، وإحياء “طريق الحرير” الذي يرعب البعض هو عودة الندية والمساواة والمنافسة المتكافئة بدل التمايز والاستعلاء والتطور والتراكم والتبادل اللامتكافىء. وإن التوجه للشرق ليس معناه غياب الغرب وإعطاء الظهر له. بل معناه أن يأخذ كل طرف مكانه، فلا تؤسس جهة لنفسها مكانا خاصا في التاريخ والواقع على حساب الجهات الأخرى؛ فلهم الغنى وللآخرين الفقر، ولهم الحضارة وللآخرين التخلف، ولهم القيم والمفاهيم والمعايير وما على الآخرين إلا قبولها، إلخ.
فالصين تحيي اليوم مشروعا قديما برهنته الحاجيات والمتطلبات الأساسية لشعوب العالم. قديما بادر الآخرون نحو الصين واليوم تبادر الصين نحو الآخرين. وفي كلا الاتجاهين كان وسيكون الهدف المصالح والمنافع المشتركة. هذه هي الحقيقة التي يحاول البعض اليوم تشويهها. فالمشروع الذي أطلقه الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2013، هو مشروع فيه كل معاني وأهداف الإحياء لا للصين فقط بل لمجموع الشرق وآسيا والغرب والعالم كله.
تشارك، اعتبارا من عام 2017، في هذا الطريق أكثر من 68 دولة، ويضم 65% من سكان الكرة الأرضية، يمثلون حوالي 40% من الناتج الوطني الإجمالي العالمي. وقد بلغ عدد الدول التي وقعت مذكرات تفاهم “الحزام والطريق”- والعراق منها- 138 دولة حتى مارس/ آذار 2020. فما سمي قديما بـ”طريق الحرير” كان بالأساس سعيا حثيثا من العالم القديم للوصول إلى الصين والتغلغل فيها، ومعرفة أسرار حضارتها ومنها صناعة الحرير. فالتجارة البينية بين الشرق والغرب كانت عاملا أساسيا من عوامل نهضة الشرق وآسيا آنذاك، وكذلك نهضة أوروبا أيضا. فكان التبادل يأتي من الغرب إلى الشرق ليحمل ما ينتجه الغرب ويحتاجه الشرق، وليبادلها بما يحتاجه الغرب وينتجه الشرق. لم يكن النقل والتبادل سلعيا فقط، بل شمل الثقافات والديانات والعادات والتجارب والقيم الروحية والمجتمعية. فـ”الحزام والطريق” هو عودة للطبيعي، ولنوع من التوازن والتكافؤ بعد عصور من اللاتوازن واللاتكافؤ. وإن عودة الحيوية لهذا الطريق هو عودة الحيوية للشرق وبلدان آسيا وأفريقيا، بل للعالم كله. فالطريق ضرورة عصرية كما كان ما اصطلح عليه بـ”طريق الحرير” ضرورة تاريخية. والطريق بات واقعا حقيقيا لا بديل له كما كان “طريق الحرير” واقعا لحضارات وعلاقات عاشت وخدمت البشرية لآلاف السنين. والطريق سبيل لنهضة القارات الأخرى والعالم الغربي لا لسرقته أو تراجعه، فهو أداة للتواصل بين الشرق والغرب لا للقطيعة بينهما أو لنهب أحدهما الآخر.
نهضة الصين جزء من نهضة شعوب الشرق والعالم
إن شعوب العالم الثالث لا ترتجف من نهضة الصين، التي ساعدتهم في أمور كثيرة ومراحل متعددة. ساعدتهم في حروب تحررهم الوطني، وفي التنمية، وحماية قيمهم وتقاليدهم. فهي خلاف غيرها لم تشترط تصدير “شيوعيتها” أو نموذجها الحضاري، وعاداتها وملابسها وقيمها، بل احترمت سيادة البلدان وتقاليدها وقيمها. أكثر من ذلك، نرى خلافا بين تجربة الشيوعيين الصينيين عن تجربة كثير من الشيوعيين الآخرين. فلم تتبن نموذجا طالبت الآخرين بتقليده. فنموذجها يعتمد على خصوصية كل بلد في اختيار نمط تطوره. فلا وجود لمسار واحد رأسمالي أو اشتراكي أو غيرهما لابد للجميع أن ينخرط فيه. فاختارت- محقة او مخطئة- في مرحلة من مراحلها طريق الحرب الشعبية الطويلة الأمد، والثورة من الأطراف إلى المركز، وطرحت نموذجها الأخير “اقتصاد السوق الاشتراكي”، الذي يعتمد على قيادة الملكية العامة والمؤسسات المملوكة للدولة والتي تسعى لاستنفاذ طاقات السوق ومراعاة قوانين عمله محليا ودوليا. فآليات السوق هنا ستراقب أيضا الحاجة والنوعية والجودة والكلفة والمنافسة والأولويات، لا أن يُترك ذلك فقط للبيروقراطية والتخطيط الفوقي والقرارات الحكومية، كما هو حال كثير من اقتصاديات القطاع العام والاشتراكية. ولعل مخالفة النموذج السوفيتي- قبل سقوطه- الذي كان يهتم بالكم قبل النوع، وبحاجيات الدولة قبل حاجيات الشعب، ومتطلبات المركز قبل متطلبات الأطراف، وانعدام المنافسة الوطنية والأجنبية، إلخ، هو ما مهد طريق تقدم النموذج الصيني وتراجع النموذج السوفيتي. فغياب هذه المعيارية التي توفرها السوق والعلاقة بالمتلقي وهو المستهلك، واحد من العوامل الهامة التي جعلت البضاعة المنتجة في الغرب تتقدم نوعا على كثير من البضائع المنتجة في النماذج السوفيتية. لهذا، يقدم النموذج الصيني، بكل ما له وما عليه، سلعا ونظما ومهارات تنافس، وفي أحيان كثيرة تتقدم، على نظائرها حتى في الغرب نوعا وكلفة ووقتا. بحيث لا يجد الغرب من وسيلة لوقف استيراد السلع الصينية إلا بطرق الحماية والشيطنة التي كان يستنكرها على الآخرين. وهذا عنصر قوة حقيقية وكبيرة ستساعد ليس العالم فقط، بل ستساعد النموذج نفسه للتطور أكثر ولإزالة الكثير من النواقص والسلبيات التي قد تكون ما زالت عالقة به، خصوصا في الربط بين الاقتصاديات والاجتماعيات، وبين الحقوق الفردية والعامة، إلخ. فالنموذج الغربي عندما تطور ووصل إلى مراحل متقدمة في كثير من مجالات الرفاهية والحريات والحقوق في بلدانه لم يحقق ذلك دفعة واحدة، بل جاء بعد أن اقتدر وتمكن بما يسمح له بالاستقرار والقوة اللتين تمنحانه قدرة احتواء المتناقضات والخلافيات والحريات الفردية في إطار الوحدة المصانة والمحمية والمانعة من انهيار النظام. ويشهد التاريخ، وسيشهد المستقبل أنه إذا ما ضعفت القدرات وعوامل القوة والمكانة، فإن حدود الحريات وقبول الاختلافات ستضعف معها سواء أكنا في تجربة اشتراكية أو رأسمالية أو إسلامية أو أي تجربة أخرى.
الصين متعاونة وداعمة لدول العالم الثالث، والعراق منها
كما ساعدت الصين دول العالم الثالث في برامجها التنموية ومناصرة قضاياها التحررية والاستقلالية والسيادية العادلة عموما في المحافل الدولية، فإنها ساعدت بشكل مباشر وغير مباشر في تحسين أوضاع الفقراء والطبقات الوسطى في تلك البلدان عبر سهولة الحصول على السلع والعدد الرخيصة الثمن والتي سمحت لهذه الشرائح بتغيير واقعها وشروط عملها. كانت تلك مرحلة سمحت لمئات الملايين من الفقراء ومتوسطي الحال بالتأسيس وتكوين البدايات للانتقال لاحقا إلى مرحلة تسمح لهم بالحصول على السلع والعُدد الأعلى تقنية والأغلى سعرا من الصين أو من غيرها.
وفي العراق، وقفت الصين معنا في جميع قضايانا؛ احترمت إرادتنا وسيادتنا ولم تفرض علينا سلوكا أو عقيدة أو سياسة، كما يفعل غيرها. صحيح أنها بحاجة للوقود، لكنها دخلت وقبلت بشروطنا النفطية. وتم التعاقد مع شركة CNPC الصينية المتحالفة مع BP البريطانية في عام 2008- 2009، وقبلوا بالسعر الذي عرضه العراق، والذي تردد الآخرون أمامه. فكانت تلك فاتحة لنجاح جولات التراخيص التي، رغم كل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، ساعدت لارتقاء العراق بطاقاته النفطية عالميا من المرتبة الثامنة والعاشرة إنتاجا وتصديرا إلى المرتبة الثالثة في الصادرات والرابعة في الإنتاج في 2018- 2019، والثانية إنتاجا وتصديرا بين دول أوبك. وإن دور الشركات الصينية في قطاعنا النفطي اليوم بات كبيرا، وأدخل ويدخل خبرات تقنية متجددة بسبب الاحتكاك المتبادل بين الفنيين العراقيين والصينيين. ومما يؤسف له أن في الكثير من شروطنا فقرات تعكس أساليب التدخل والهيمنة الخارجية السابقة والتي تشترط أن تكون البضائع من المصادر الغربية حصرا، رغم غلو أسعارها ورغم أن الغرب نفسه يستورد السلع الصينية المشابهة.
فالعراق عندما يذهب لتوقيع اتفاق الصناديق الاستثمارية مع الصين أو ما بات يعرف بـ”الاتفاق العراقي- الصيني” حسب فلسفة النفط مقابل الإعمار، فإنه يوفر ما ينقصه للنهوض بنفسه. ونقصد بذلك الإطار والوسيلة أو “الحزام والطريق”. فالاتفاق يوفر له الإطار الذي يستطيع أن ينجز عبره المشروعات الكبيرة التي تحتاجها البلاد لنهضتها من جهة، ويوفر من جهة أخرى الوسائل المالية والتقنية والتنظيمة والقانونية التي تؤسس لتنمية مستدامة تحتاجها البلاد اقتصاديا وسياسيا وأمنيا ومجتمعيا. وهذا النموذج يمكن أن يكون بداية لنماذج مشابهة مع دول أخرى لفلسفة النفط مقابل الإعمار، ليتخلص العراق مرة وإلى الأبد من نظامه الريعي ومن المناهج القديمة التي تعتمد موازنات قلقة تربكها تقلبات الأسواق النفطية، وإطارات تنفيذ ملؤها الفساد والهدر والتي لم تنتج سوى مشروعات متلكئة وكلف مهدورة.
شيطنة الصين، ومقولة انتصار الشرق وهزيمة الغرب
الحملة الحالية لشيطنة الصين تشبه الحملة لشيطنة أي بلد يسعى للنمو والتقدم ولتنويع مصادره، وعدم الخضوع لقرارات منظومة واحدة تحكمه بشروطها. الأمثلة لا تعد ولا تحصى. فما أسهل أن يضع البعض العقوبات ويفرض الحصار على من يختلف معه، فيتشدد أو يتساهل وفق مصالح خاصة ونظرة أحادية وغير موضوعية لا علاقة لها بالمعايير العامة المقبولة. فالقيادة الصينية الحاكمة اليوم هي نفسها منذ 2013. فغلبت نزعات الصداقة بين الغرب والصين حتى فترة متأخرة من العقد الثاني لهذا القرن. لكن مع صعود الرئيس ترامب وأطروحة “أمريكا أولا” واتخاذ سلسلة من القرارات الأحادية تصاعدت الخلافات وبدأنا نشهد حملة شيطنة واسعة النطاق. وكالعادة سيستغل كل شيء للتشويه والتسقيط. فبعد أن كانت معظم استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربي إيجابية إزاء الصين في مطلع القرن (أكثر من 60% من المستطلعين إيجابيون إزاء الصين)، تغيرت النظرة في تلك البلدان بتأثيرات حملة الشيطنة أو لأسباب أخرى، كما تشير استطلاعات سنة 2019 حسب مؤسسة Global Attitudes & Trends، في حين أن لا شيء تغير في الصين بعد 2013، لا في قيادتها ولا سياساتها، بغض النظر عن ما يتفق عليه المرء أو يختلف معه.
كان العالم- وما زال- مبهورا لنهضة الصين ولمعدلات النمو المرتفعة وللمنجزات الكبرى التي تحققها. تكلم العالم مبهورا بالانفتاح الصيني؛ تكلم بالشواهد عن الإنجازات العظيمة وقدرات التحديث، وسرعة التكيف مع الأنماط المعاصرة للعمل والعيش. ففي تلك السنوات كان الغرب مستفيدا من حجم استثماراته في الصين. كان يتكلم عن الإبداعات والإنجازات أساسا بعد أن تواجدت أعداد هائلة من الشركات الأجنبية في الصين، وبعد أن ساعدت الأموال الصينية الكثير من الدول الغربية- خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية- كما تشير إلى ذلك مساهمتها كأول دولة في سندات الخزينة الأمريكية. لكن عندما بدأت الاستثمارات الصينية تشق طريقها للطرف الآخر، وبدأت تحجز لنفسها حصصا متزايدة من التجارة العالمية، وبدأت بالتحول إلى دولة قادرة على وضع مركباتها على سطح القمر والمريخ، وامتلاك منظوماتها للاتصالات والتجارة والصناعة، وبدأت قدراتها التكنولوجية والحربية بالظهور بأشكال مختلفة، وبدأ ثقلها السياسي والوجودي بالتزايد في محيطها وعالميا، عندها تغيرت النظرة، وصار لابد من شيطنة الصين والتحذير من مخاطرها.
كثر الكلام اليوم عن أن الصين ستتقدم على الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الشرق سيتقدم على الغرب. بل يتكلم البعض- تخويفا أو واقعا- عن هزيمة تلحق بالغرب. لكن الحقيقة أن لا أحد سيهزم الغرب، بل ليس من مصلحة البشرية هزيمة الغرب بحضارته ومنجزاته وعلومه وقدراته، كما لم يكن من مصلحة البشرية هزيمة الشرق. فالغرب قوي ويمتلك قدرات هائلة وعوامل عظيمة للتجديد، ولا يمكن أن تهزمه على صعيد شامل قوى لا تمتلك لا إرادة هزمه ولا قدرة هزمه. نعم هُزمت وستهزم أي سياسات استعمارية وعدوانية وعنصرية على صعد محلية وإقليمية ودولية. وهذا لا يشمل الغرب فقط بل يشمل الجميع. هناك قوة واحدة تبدو قادرة- في ظروفنا- على هزيمة الغرب وتدميره وهي الغرب نفسه. وذلك عندما يستمر بعضهم في عنادهم على الأفكار والممارسات البالية، والتمسك بأنظمة التحكم والسيطرة العالمية، المنظورة وغير المنظورة، لمصلحة الأقلية على حساب الأغلبية الساحقة، والكيل بمكيالين الأول محابي يخصهم، والثاني معاد لغيرهم. نشير بذلك لكل الممارسات الاجتماعية والتاريخية والعنصرية والطبقية والحمائية والقيمية والاقتصادية والأمنية والمعلوماتية. وهناك قناعات متزايدة لدى تيارات واسعة في الغرب والشرق، أن ليس من مصلحة البشرية الصراعات المدمرة، بل من مصلحتها التعاون والمشاركة وقبول الآخر. فالغرب قدم ويقدم منجزات كبرى للبشرية، ولن يتراجع الغرب، إذا ما تخلص من المظاهر الاستعمارية والعنصرية. فالغرب، إن لم يعد تقييم تاريخه وتجربته وعلاقاته بالآخر، ويعيد موقعة نفسه في المحيط العالمي، سيخسر كل ما كسبه، وسيخسر العالم كله نتيجة ذلك. ومما يستدعي التفاؤل أن هناك في الغرب نفسه قوى قيادية وحاكمة ومجتمعية وشبابية واسعة تشترك مع هذه الرؤية.
ستستعيد الأمم حقوقها، بدون زيادات الاستلاب والعقوبات والهياكل القسرية، أو العنف والإرهاب والتطرف. فالظلم سيهزم نفسه، “وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”. وسواء أتى من الغرب أو الشرق، سينظم في أول خطوة له، أول خطوة من المظلومين ضده. قد تكون مجرد ردة فعل بسيطة لكنها هي من سيضع اللبنات الأولى لانتصارهم وهزيمته.

عادل عبد المهدي
شباط 2021

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
28°
32°
أحد
33°
الإثنين

استبيان

الافتتاحية