Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

التخييل الروائي وسطوة التاريخ في رواية «الديوان الإسبرطي»

التخييل الروائي وسطوة التاريخ في رواية «الديوان الإسبرطي»
ادب وثقافة - 1:15 - 01/09/2020 - عدد القراء : 73

 لينا شدود

نستشف من قول جرجي زيدان هذا، أن السبب في الإقبال على قراءة الرواية التاريخية هو تلك التوليفة المبهرة والمبتكرة، ما بين المهارة الفنية للعمل، والأمانة في استنطاق التاريخ وإعادة صياغة أحداث غيّرت وجه الأرض ومصائر البشر في ما مضى.سعى الروائي إبراهيم عبد الوهاب عيساوي في رواية «الديوان الإسبرطي» إلى الاستعانة بالمؤرخين ووثائقهم، معيداً ما ورد فيها على لسان شخصياته المتحاورة في ما بينها، مستخدماً تقنية تعدّد الأصوات. على امتداد الرواية كان الكاتب يستقصي روح التاريخ، باعتماده على سلسلة من الأحداث السببية الداعمة لها، بالإضافة إلى الاستطرادات التي حتماً لم تؤثر في جماليات العمل، مع حرصه على استخدام نمط سردي مغاير للأسلوب التقليدي لغالبية الروائيين، مستبدلاً إياه باستذكارات الشخصيات المحورية والثانوية معاً من خلال استكشافاتها وإضاءاتها لتاريخ حقيقي اجتهد الكاتب من أجل منحه تلك النفحة الملحمية الأثيرة، التي زادت بدورها من القيمة الجمالية للنص، وكل ذلك من دون أن يحيد الكاتب عن تمثّل الحياة الواقعية، مستثمراً التفاصيل التوثيقية والعادية في آن معاً. أيضاً لم يسع الكاتب لإصدار الأحكام الأخلاقية المسبقة، كأقرانه من الكتّاب، على شخصياته بغية محاصرة آراء القراء والتأثير فيها، بل على العكس إذ أن حوارات الشخصيات الباطنية ومناجاتها، أضفت المزيد من السحر ولمسة روحانية واضحة على النص الروائي، الذي بدا مُحكماً بسبب إحاطة الكاتب بكل ما يخصّ المجتمعات الثلاثة الفرنسي، الجزائري والتركي، وتأثير تلك المرحلة في الجزائر.تناوبت في العمل شخصيات خمس (الصحافي ديبون، الجندي كافيار، حمّة السلّاوي، دوجة وابن ميّار) على سرد الأحداث من منظورها الخاص، الذي يعكس السويّة الفكرية لكلّ منها، وبأسلوب مُتقن مشوب برهافة عالية المستوى، ومستوحى من أحداث واقعية، دأب فيها العيساوي على منازلة التاريخ ومساءلته، برصده للظروف السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد واكبها التخييل السردي الأخاذ الذي خفّف من إحساس القارئ بالملل من حين لآخر، ربما بسبب إسهاب الكاتب بالتوثيق والتوضيح، وذكره لأسماء الأماكن والضباط والشخصيات الثانوية، والصحف والسفن، مقتطعاً إيّاها من تاريخ الجزائر المرير، حينما اجتمعت ظروف قاهرة للتمهيد لاحتلال الفرنسيين للجزائر، على أثر سقوط الحكم العثماني. المبالغة في المناجاة والحوارات الباطنية للشخصيات، جعلنا نخمّن أن الكاتب تعمّد إعادة الروي على لسان الشخصيات المحورية، ربما كي لا يستفرد الراوي الأوحد بهذه المهمة، شأن الروايات الرائجة. لا شك أن ذلك الأسلوب جعل القارئ شريكاً في استذكارات تلك الشخصيات المحورية ومطّلعاً على هواجسها، بل مدركاً لما ستؤول إليه مصائرها، من خلال تعاقبها على السرد وتقاسمه في ما بينها، فساهمت صياغته الفنية والعاطفية لأحداث تلك الفترة التاريخية في زيادة استمتاع القارئ إبداعياً ومعرفيا، إذ لم يكن هنا على الكاتب سوى أن يغرف من مخزون التاريخ السخيّ مانحاً شخصياته الحياة.حرص عيساوي على الإحاطة بكل الظروف، وأسهب في ذكر التفاصيل التي سبقت ويسّرت احتلال الفرنسيين للجزائر، وسقوط الحكم العثماني، هنا تبرز سطوة التاريخ في استعادة الأحداث المهمة التي سبقت الحملة، ومن ثم إبحار الأسطول الفرنسي نحو الجزائر والاحتلال الذي انتهى بإمضاء معاهدة الاستسلام وتسليم الجزائر للفرنسيين.على امتداد الرواية كان الكاتب يستقصي روح التاريخ، باعتماده على سلسلة من الأحداث السببية الداعمة لها، بالإضافة إلى الاستطرادات التي حتماً لم تؤثر في جماليات العمل، مع حرصه على استخدام نمط سردي مغاير للأسلوب التقليدي لغالبية الروائيين، مستبدلاً إياه باستذكارات الشخصيات المحورية والثانوية معاً وأحداث مصيرية توزعتها أطراف ثلاثة، التركي الذي يشمل حكّام الجزائر والوزراء من الأتراك، بالإضافة إلى حرس الدولة من اليولداش وقادة الجيش العثماني، والفرنسي الذي يضمّ مهندسي الحملة من جنود نابليون المنهزمين، والأطباء وكافيار وديبون. أمّا الطرف الجزائري فقد تمثّل بحاشية الأتراك من المور، والتجار، والحرفيين، والنساء، والدراويش. ديبون هو أحد الشخصيات الخمس المحورية، ومراسل الحملة التي جاءت لتحيل إسبرطة (الجزائر) إلى أثينا. لم يقتنع ديبون ولو لحظة بذلك الاجتياح الغاشم، وأن النور سيعمّ من خلال إراقة كل هذه الدماء. حتى أنه كان مستغرباً مغامرة الرسّامين للمجيء في ركاب الحملة، من أجل لوحة يخلّدون فيها مشاهد القتل، بل يؤكّد أن سبب عودته إلى الجزائر هو من أجل إيقاف الاتجار بعظام موتى الجزائر بغرض استخدامها في تبييض السكر، متذمراً من رضوخ الجزائريين للهوان، وعدم احتجاجهم على سرقة عظام موتاهم. ديبون: «سأرجع إلى المحروسة، وسأصبح حارساً ليس فقط على المقابر، بل على حياة الجميع».نقطة خلاف ديبون مع الشخصية المحورية الثانية «كافيار» مخطّط الحملة الفرنسية، هي إصراره على هذا الغزو. كافيار الذي سجنه الأتراك إثر هزيمة واترلو، وحُرّر بعد عام على يد الإنكليز، وها هو يحلم ويخطّط، مستعيناً بالدين وكتاباته وخرائطه، من أجل ردّ الصفعات لمن اضطهدوه وإعادة مجد نابليون في أرض افريقيا، «ليس عليك يا ديبون قول كل شيء للناس، عليك فقط تغليف فكرتك أو حكمتك بالدين، ومن ثم دعها، ستصبح مثل كرة الثلج، يزداد حجمها كلما انحدرت». في حين أن المراسل ديبون كان يراه شيطاناً، «اللعنة عليك يا كافيار، اللعنة على نابليون الذي أفسد العالم بجنونه».الشخصية الثالثة هي لابن ميّار؛ كاتب الديوان الذي يهتم بشكاوى المواطنين، والذي كان على يقين من أنه بفضل عرائضه التي حملها إلى فرنسا سيستعيد المساجد والأوقاف، وكل ما سلبه منه الفرنسيون أيضاً. «الفرنسيون احتلوا المساجد وحولوها إلى ثكنات، وحينما بدأت الأموال تنضب التفتوا إلى مقابرنا يفتشون عمّا تبقّى من عظام أطفالنا وشيوخنا». أمّا حمّة السنّاوي الجزائري الغيور على المحروسة، فكان على خلاف مع ابن ميّار إذ كان يؤمن أن الثورة فقط بمقدورها أن تستعيد الأرض، «بعض المدن أفضل من أهلها، ودائماً كانت المحروسة أكبر من ساكنيها». في حين أن دوجة الشخصية الخامسة، وأسيرة المحروسة والهائمة أبداً على امتداد الرواية، ما بين الشخصيات الأخرى.«لم يكن الرحيل عن المحروسة بالنسبة لمحبيها إلا وجهاً آخر للموت».ولأن أي عمل روائي لا يستقي مصداقيته إلا من أماكن تمنحه ذلك، أكثَرَ كاتب «الديوان الإسبرطي» من ذكر أسماء الأسواق «حيّ النحّاسين؛ الصبّاغين؛ الغزّالين، وأسواق الزيت والسمن والذهب، كما أن الحصّة الأكبر كانت من نصيب الأمكنة التاريخية والشعبية، كباب الوادي، وشارع المحروسة الكبير الذي يصل بابه الغربي بالشرقي، وقصر الجنينة، والأضرحة، بالإضــافة إلى الفضاء الأكثر اتساعاً، أي الأماكن ما بين الجزائر وباريس وإسطنبول، بالإضافة إلى بعض المدن والموانئ الفرنسية.ربما يستغرب البعض تعمّد الكاتب الإفاضة في ذكر المصطلحات العسكرية المستخدمة في عهد العثمانيين مثل الكراغلة، الجولق واليولداش، ولو أن غالبيتها ستغدو في ما بعد أليفة بالنسبة للقارئ، رغم المبالغة إلى حدٍّ ما في السرد التاريخي لكل تفصيل وحدث، فالشخصيات التي أحسن الكاتب ابتكارها وإدارتها، بالإضافة إلى حيوية السرد الذي اعتمده الراوي، هذه الأمور مجتمعة لم تُضعف من شعلة التخييل الروائي، بل على العكس حمتها وأبقتْها متوهجة، وهكذا لم يفقد العمل خصوصيته، رغم زحمة القضايا وفوضى الانتماءات والانقسامات الاجتماعية، التي طالت التاريخ العام والخاص للجزائر في تلك الفترة القاسية والحرجة.صدرت رواية « الديوان الإسبرطي» بداية عام 2019 عن دار ميم للنشر في الجزائر، وفي عام 2020 حازت الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر». مغطية الحقبة الممتدة ما بين (1815ــ 1833)

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
21°
34°
الأربعاء
35°
الخميس

استبيان

الافتتاحية