Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

التنقيطية.. حركة فنية تتطلب صبرا وأناة في الرسم والطلاء

التنقيطية.. حركة فنية تتطلب صبرا وأناة في الرسم والطلاء
ادب وثقافة - 1:21 - 01/09/2020 - عدد القراء : 70

التنقيطية هي حركة فنية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، تستعمل تقنية تقوم على لمسات ألوان صغيرة مربعة أو مستديرة في الغالب مرصوفة جنبا إلى جنب. وقد اختلف أصحابها في تسميتها، فهي عند بعضهم انطباعية جديدة، وعند بعضهم الآخر تقسيمية؛ مثلما اختلف النقاد في وصفها، فأسماها بعضهم “التبقيعية”، وأطلق عليها غيرهم اسم “التنقيطية” استخفافا واستنقاصا، فصارت لا تعرف إلّا به.ظهرت الحركة التنقيطية في أواخر القرن التاسع عشر، ببادرة من جورج سورا (1859-1891) الذي شارك في آخر معرض للانطباعيين عام 1886 بلوحة ضخمة أسماها “ظهيرة الأحد في جزيرة الجفنة الكبرى”، وقد عدّها النقّاد مانيفستو حركة انفصلت عن الانطباعيين، تمثلت في مجموعة أنشأتها عام 1884 عُصبة الفنانين المستقلين، وكانت تضم إلى جانب سورا، بول سينياك (1863-1935) خاصة، وكميل ولوسيان بيسّارو.سارت الحركة على نهج الانطباعيين في رسم المناظر الطبيعية في الهواء الطلق، ولكنها اختلفت عنهم من جهة بحث تصويري جديد يقوم على وضع نقاط من ألوان مختلفة على القماشة لتشكيل صورة، لا تتبدّى للعيان إلاّ متى وقف منها المتلقي على مسافة. ولما كان سورا قد أنجز أعمالا انطباعية، وشارك الانطباعيين بعض معارضهم، فقد اعتبرت حركته انطباعية جديدة، ولكن بول سينياك أصر على اعتبارها تقسيمية رغم أن تقيسميته تتميز عن التنقيطية بلمسات فرشتها الأكبر حجما والأكثر تأرجحا.

الاستخفاف بالحركة

أما النقاد فقد اختلفوا في تسميتها، منهم من وصفها بالتبقيعية مثل فيليكس فينيون، قبل أن يستريح للمصطلح الأول، أي الانطباعية الجديدة، شأن سينياك نفسه، إذ نشر عام 1889، أي بعد وفاة رفيقه سورا، كتابا بعنوان “من دولاكروا إلى الانطباعية الجديدة”.ومنهم من سخر منها صراحة ووصفها بالتنقيطية مثل أرسين ألكسندر أول من وصفها بذلك الوصف، أو غوستاف جوفروا الذي انتقد ما أسماه الطريقة العبثية في رصف نقاط غير منتظمة ذات ألوان مختلفة جنبا إلى جنب.. فقد كتب يقول “وليس غريبا أن نلاحظ أن الفضل في ذلك سعة المساحة، وأن الكيفية الباردة، المنتظمة، الدقيقة التي تجعل النقاط الملونة موضوعة في أماكن متباعدة، لا تشدّ انتباه المشاهد، لأنه لا يتبيّن فحواها إلاّ بإصرار عنيد”. وفي رأيه أن الكثافة الضوئية التي يَنشدها هؤلاء يمكن أن توجد دون حاجة إلى تلك النقاط الصغيرة.

ألوان تتفاعل فيما بينها

التصقت بها تلك الصفة فصارت تعرف بها رغم أن بعض النقاد واصلوا استعمال اسم الانطباعية الجديدة في الحديث عنها وعن انتشارها خارج فرنسا، كبلجيكا وألمانيا مع تيو فان ريسّيلبرغ، وهنري فان دو فيلد خاصة.نشأت التنقيطية إذن من تجارب الانطباعيين الذين وجدوا معادلا للضوء في استعمال الألوان الخالصة، وكذلك من البحوث البصرية لميشيل أوجين شوفرول وكتابات شارل بلان. وحسب سورا، فإننا إذا نظرنا إلى اللوحة من مسافة معينة، لا يمكن تمييز نقاط اللون من بعضها بعضا لأنها تنصهر على صفحة القماشة، والملمح البصري الذي نحصل عليه يخالف نظيره الذي نحصل عليه بخلط الألوان على مَلْوَن ثم تثبيتها عل القماشة. بعضهم يصف النتيجة بكونها أكثر لمعانا أو أكثر نقاء لأن الخليط لا تنجزه الفرشاة بل العين.لتفسير ذلك، يذهب بعضهم إلى القول إن هذه التجربة يمكن ربطها بنظريات حول إضافة الألوان وتنقيصها، فمن المعروف أن الألوان في العادة تَنتج عن خليط أصباغ، فتتم عملية التنقيص حين يمتصّ كل صبغ جملة من ذبذبات الشبح الضوئي، فيرجّع خليط الأصباغ جملة الذبذبات التي لم تُمتصّ. من ذلك مثلا أن خلط أصباغ سيانْ (وهو لون أزرق مخضرّ يمتص اللون الأحمر) أو ماجنتا (لون أوّلي ورديّ يمتصّ اللون الأخضر) والأصفر، وكلها ألوان أولية قابلة للتنقيص، ينتج عنه لون قريب من الأسود.ولكن عندما نخلط ألوانا تنتجها مصادر ضوئية، فإن الإضافة هي التي تلعب دورها، حيث يَنتج عن خليط الحزم الضوئية ذات الألوان الحمراء والخضراء والزرقاء ضوءٌ قريب من الأبيض، نظرا لأن مجمل الذبذبات المرئية يكون ممثَّلا فيها، وهو الأسلوب نفسه الذي تستعمله التلفزة مثلا.ولتصوير المشاعر والوتيرة والحركة في لوحاتهم، كان التنقيطيون يستعملون نظرية حول الخطوط والألوان، مفادها أن الخطوط الصاعدة الممزوجة بالألوان الدافئة تعبّر عن الفرح والسعادة، بينما تعكس الخطوط النازلة الممزوجة بالألوان الباردة والداكنة مشاعر الحزن.ولما كان فنانو هذه الحركة يعتمدون على التنقيط، فإن ذلك كان يتطلب منهم صبرا وأناة، ولنا أن نتخيل فنانا أمام مَحمله وهو يمسك بأنابيب الطلاء ويملأ قماشته نقطة نقطة، دون خلط، مع المحافظة على المشهد الذي يريد تصويره، بمناظره الطبيعية، وأنهارها وضفافها، ومراكبها التي تمخر عباب الماء، والشخصيات المستجمة أو الساعية.وما ذلك إلاّ رغبة من التنقيطيين في إحداث ثورة وتقديم رؤية فنية مغايرة حاول الانطباعيون قبلهم خوض غمارها دون جدوى، ثم توصل التنقيطيون إلى تحقيقها بفضل تطوّر علوم عصرهم، ذلك أنهم اعتمدوا على النظريات العلمية في ذلك الوقت بناءً على الظواهر البصرية.التنقيطية نشأت من البحوث البصرية وتجارب الانطباعيين الذين وجدوا معادلا للضوء في استعمال الألوان الخالصة وكان الناقد شارل هنري (1859-1926) مثلا قد ألّف كتابا بعنوان “الدائرة اللونية”، أوضح فيه كيفية دمج الألوان مع بعضها بعضا عن طريق وضعها على دائرة.من هنا ولد تكامل الألوان، وصار يستخدم حتى اليوم على نطاق واسع، حيث البحث عن الانسجام يتضمن أيضا استخدام أصباغ مكمِّلة، وأضدادا على الدائرة اللونية. أزرق مع برتقالي، أحمر مع أخضر، أصفر مع بنفسجي. ذلك أن التناسق يمرّ أيضا عبر استعمال أصباغ تكميلية، بمعنى متقابلة على الدائرة الضوئية، أزرق مع برتقالي، أحمر مع أخضر، أصفر مع بنفسجي.كما أن ثمة تقاربا لونيا يُحدث تباينات كبيرة، فتبدو وكأنها تعزّز قوة الأصباغ الموجودة على حدة. فالألوان تتفاعل فيما بينها، في مواقع لا يتوقعها المتلقي.لئن كان التشبيع هو ما يميّز التنقيطية، فإنه ليس مبدأ ثابتا، والثابت أن هذا الاستخدام المتفجّر للألوان قد فتح الباب أمام التوحشية. والسبب أن سورا، وكذلك سينياك، لجآ إلى تنويعات في اللون الواحد، دون خلط الأصباغ، وبذلك كانت أعمالهما تبدو ألطف وأقل إثارة بصريا، والحال أنها تقوم على المبدأ نفسه.

مسارات جديدة

تَمّ تعميق التدرّجية (وهي طريقة في الرسم يستعمل فيها الرسام لونا واحدا، متدرّجا من الغامق إلى الفاتح أو العكس) على نحو أكسب اللوحة تعقيدا وثراء إضافيا، إذ أن التنقيطيين، بصرف النظر عن الحقل العلمي، كانوا هم أيضا مرهفي الحس.لقد شكّلت التنقيطية، كحركة عارضت الرمزية، منهَجةً علمية للانطباعية، فكان لها مدافعوها وأنصارها وأماكن عروضها. وبعد وفاة سورا عام 1891، خلفه بول سينياك على رأس الحركة، فتغيّر الأسلوب، ومالت إلى التقسيمية التي تتميّز عن التنقيطية بلمسات أكبر حجما كما أسلفنا.ثم ما لبثت أن انطفأت، ولكن أثرها امتد إلى التوحشيين والتعبيريين الألمان، بل شكلت مصدرا من مصادر التجريدية كما يتبدّى في أعمال فيلهيم مورغنر أو فاسيلي كادينسكي، ففنانو مطلع القرن العشرين أمثال هنري ماتيس، وإدوار فوِييّار، وبول كلي، وروبير ديلوني استلهموا منها محاولاتهم التجديدية، بل إن بابلو بيكاسو جرّب التنقيطية هو أيضا مرة أولى عام 1901، ثم مرة ثانية ما بين عامي 1913 و1914، وقبله فان غوخ لاسيما في لوحتي “زارع الحبوب” و”في المطعم”.ولئن قامت على كاهل فنانَين اثنين هما جورج سورا، وبول سينياك، فإنها سرعان ما كسبت أنصارا التحقوا بها، مثل كميل بيسّارو وابنه لوسيان، وألبير دوبوا بيّي، وهنري إدمون كروس.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
21°
34°
الأربعاء
35°
الخميس

استبيان

الافتتاحية