Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

المثقف في مرآة الرواية

المثقف في مرآة الرواية
ادب وثقافة - محمد إسماعيل زاهر - 0:42 - 13/08/2015 - عدد القراء : 412

من أزمة الفرد إلى محنة المجموع

يقول تعريف كلاسيكي للمثقفين: «هم الأشخاص الذين يمتلكون المعرفة، وموهبة الحكم على المواقف المختلفة، والصفة الغالبة على كل المثقفين هي استعابهم لأدوات المعرفة واستخدامها في العمل الذهني»، وهناك عشرات الكتابات التي بحثت في شخصية المثقف حتى أن الباحث مصطفى عبد الغني في أحد كتبه عن المثقفين اشتكى من تشتته ذهنياً تحت ضغط أكثر من ألف تعريف لهذه الشخصية،حاول آخرون تكثيف بحثهم عن هذه الفئة المعروفة جداً من كثرة الحديث عنها والغامضة جداً بسبب هذا الطوفان الاصطلاحي، فقسموا فضاءات المثقف إلى دوائر تتعلق بالمهام التي يتخيل الجميع أنها منوطة به: المسألة الحضارية «العلاقة مع الآخر والانفتاح على العالم والابتكار»، المسألة الاجتماعية «الدفاع عن الجماهير والعدالة»، والمسألة السياسية «المطالبة بالديمقراطية والحريات العامة».ويبدو أن أن حصيلة كل هذه الكتابات عن المثقف وأدواره ووظيفته و جذوره الاجتماعية.. الخ، قد صمتت فجأة، متأثرة بإعلانات لا حصر لها تتعلق بنهاية المثقف مستجيبة للتأثير الغربي وتبشيرات ما بعد الحداثة كان أبرزها أطروحة المفكر علي حرب عن نهاية النخبة في النصف الثاني من حقبة تسعينات القرن الماضي، ومستجيبة أيضاً لصعود واضح للإعلام تناوله عبد الله الغذامي في أكثر من عمل، فالصورة بكل تداعياتها باتت تحتل المشهد ونجومها احتلوا الفضاء الاجتماعي، ومستجيبة مرة ثالثة لطوفان من النقد الذي تم توجيهه لهذه الشخصية لأسباب عديدة، ومستجيبة مرة رابعة لغياب فاعلية ملموسة للمثقف في الواقع العربي، وهو ما أكدته أحداث «الربيع العربي»، ومستجيبة مرة خامسة لصعود وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح المناخ بكل تفصيلاته لا يسمح بمنح البطولة لشخصية المثقف.لقد تجاوبت الرواية العربية مع شخصية المثقف بأدوارها وأسئلتها، ورأينا روايات مثل «الحي اللاتيني» لسهيل أدريس و«عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح… الخ، تطرح المسألة الحضارية بين الأنا والآخر عبر شخصية المثقف الذي يحتك بالغرب، أما أعمال نجيب محفوظ فتمحورت أهمها وأشهرها حول سؤال العدالة وإن كان الموضوع الاجتماعي يخلو من ثقل ملحوظ لشخصية المثقف، التي سيتم أدلجتها وامتلاكها لمناخات السرد بأكملها مع تعاطيها المسألة السياسية، فنجد أننا إزاء رواية جديدة لم يعد المثقف يقبع خلف سطورها، أو يحكي بلسان الروائي، وإنما هو مفتاح العمل بأكمله، جاء ذلك مع روايات حيدر حيدر وعبد الرحمن منيف…، حيث كانت الأدلجة في أقصى تجلياتها. المتابع للرواية العربية المنتجة خلال السنوات القليلة الماضية سيعثر على شخصية المثقف بصعوبة، فموضوعات الرواية ومناخاتها باتت تتجه إلى التاريخ والمجتمع والجريمة، وصاحب ذلك نقد عنيف ليس لمواقف المثقف وتقلباته وتعاطيه مع العالم، حيث لم يعد الحل بوجود نموذج جيد للمثقفين أو تطهرهم عبر وسيلة أو طريقة ما وإنما إزاحتهم تماماً من الفضاء الاجتماعي. في روايته اللافتة «السنجة» مزج أحمد خالد توفيق بين الواقع والفانتازيا ليقدم قراءته لثورة 25 يناير في مصر، الراوي في هذا العمل أحد المثقفين ويدعى عصام الشرقاوي، ودوره هامشي ولكنه يبحث عن معنى الكلمة التي كتبتها البطلة الجميلة عفاف قبل أن تقدم على الانتحار عقب اغتصابها في إحدى الحوادث المؤسفة خلال الثورة، إذ وقفت عفاف أمام حائط يفصل بين مسار القطار والمناطق السكنية وكتبت «السنجة»، ثم رمت نفسها تحت عجلات القطار المسرع وظل عصام يؤول الكلمة التي لم تكن واضحة تماماً، هل هي: سبحة، سرنجة، سيجة أو سنجة؟. لقد كان الجميع يتخبطون حول الثورة بكل فضاءاتها التي تبدأ بالفعل وتنتهي حتى بتعريف المصطلح، ووقفوا متفرجين والأزمة الاجتماعية تتفاقم وتصل إلى حد اغتصاب فتاة جميلة ومسكينة، ولم يكن هناك مفر أن يكتب توفيق في وداع مؤثر لشخصية المثقف قائلاً على لسان الراوي: «اختفِ يا عصام، اختفِ ولتبق كذلك إلى الأبد».النموذج الذي قدمه توفيق أكثر انهزامية وسطحية من نموذج أمين معلوف في «التائهون»، فآدم أستاذ التاريخ العائد من فرنسا إلى أحد بلدان المشرق العربي يبحث عن آليات تمكنه من لم شمل مجموعة من الأصدقاء تفرقوا في أنحاء متفرقة من العالم على أثر حرب أهلية طاحنة، وتمتلىء الرواية بحوارات فكرية واسقاطات تمنح القارىء أكثر من دلالة، فهل يبحث معلوف عما يمكن من خلاله رأب الصدع الذي أحدثته الحرب الأهلية؟، ووضع كل ما حدث جانباً ونسيانه باعتباره ينتمي إلى الماضي، التاريخ شغف معلوف رغم أن الرواية تجري الآن وهنا، أم يتنبأ عبر فشل آدم في مسعاه لجمع الأصدقاء/الأعداء بمسارات الربيع العربي؟ والأهم من ذلك ، كيف نفهم نهاية آدم والذي يغادر الوطن إلى الخارج، مرة أخرى، للعلاج وهو بين الحياة والموت على إثر حادث أليم؟. هنا انسحاب آخر للمثقف أو إقصاء له، فبعد فشله اجتماعياً في «السنجة»، يفشل سياسيا في «التائهون».أحدث صور المثقف رسمتها رواية «الطلياني» لشكري المبخوت والفائزة بجائزة البوكر في دورتها الأخيرة، وتبدأ بواقعة غريبة نوعاً ما، حيث يقوم البطل بضرب أحد جيرانه من دون سبب واضح خلال جنازة أبيه، ولا تلبث الرواية أن تفلت هذا الغموض الجذاب بانتقال السرد بعد ذلك إلى الإضاءة على شخصية عبد الناصر، بطل الرواية، المنسحب من محيطه المجتمعي وينسج السرد طوال العمل على البحث عن أسباب هذا الانسحاب، ولكن البطل لا يختلف في رؤيته للعالم وإحساسه به والتفاعل معه عن أي شخصية أخرى رسمها أحد الروائيين للمثقف، ف «الطلياني» تظل رواية مثقفين بامتياز أو هي عودة إلى رواية المثقفين في الوقت الذي يكاد الجميع فيه ينصرف عن تناول هذه الشخصية، وهي بذلك تختلف عن «السنجة» و«التائهون»، فالمثقف هنا ليس شخصية ضمن شخصيات العمل، ولكن ينجح المبخوت في ثقفنة الحروف والكلمات والإحاطة بالمتلقي من الجهات كافة، والقارىء لأعمال عبد الرحمن منيف وحيدر حيدر..إلخ، يعرف هذا العالم جيداً، حيث النص مزدحم بالأفكار، والاسقاطات ولا توجد أي مساحة بين الروائي والراوي، ولا شيء يدفع إلى التساؤل أو فسحة تسمح للخيال أن يحلق، هي الأسئلة تجاورها الإجابات ومشاعر يهيمن عليها الانكسار والنكبات والهزائم…. إلى آخر تلك المنظومة التي طرحها المثقفون العرب في أعقاب 5 يونيو 1967 وتجلت في أطروحاتهم الفكرية وإبداعاتهم الأدبية.يرصد المبخوت تحولات المجتمع التونسي خلال عقدي السبعينات والثمانينات ببراعة ولكن عين المثقف أيضاً هي من ترصد وتتبع وتعلق وتنتقد، عبر تحليلات وحوارات تقع في تلك المنطقة التي يتشابك فيها الأدبي بالسياسي.وفي مناطق السرد الأخرى التي يتوقع فيها المتلقي راحة يبتعد فيها عن هذه الأجواء، وهي هنا تتمثل في طفولة عبد الناصر، يبدو أن الوعي بجمالية العالم أكبر من عقل البطل في صغره، وحبه لبطلة الرواية زينة وعلاقاته العابرة، يخضعان لقلب المثقف وأحاسيسه وانفعالاته بالمرأة، حيث العالم كله تابع لأزمة البطل الفرد.ثلاثة نماذج دالة تختلف في مستوياتها الفنية وأطروحاتها ولكنها تؤكد تراجع شخصية المثقف في الرواية، والذي يثير عدة أسئلة تتعلق بفضاءات سياسية واجتماعية وأدبية، فإلى أي مدى استهلكت هذه الشخصية تماماً؟ وهل أصبحت الرواية تعبر عن معاناة المهمشين ولم تعد تلتفت إلى أزمة الفرد في ظل أزمة مجموع طاحنة؟ والأهم من ذلك والأكثر احراجاً للروائيين العرب: أين هو الروائي الذي يستطيع التعبير عن المجموع من خلال الفرد، أو إشعار المتلقي بأنه يتناول مشاكله الخاصة جداً من خلال المجموع والنماذج في الأدب العالمي كثيرة ومتعددة؟، أم أن الرواية في العالم كله انصرفت عن المثقف وأزماته إلى ثيمات أخرى ونحن بالتبعية نحاول اللحاق بالمركز؟ أسئلة عدة تتعلق في مجملها أيضا بنوعية الإبداع والأفكار والمسألة السياسية والاجتماعية والحضارية، وهي حزمة الاطروحات المتعلقة تاريخياً بالمثقفين والتي يبدو أنه لا فكاك منها حتى لمن ينتقد بحثاً عن فضاءات أخرى.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
35°
46°
أحد
47°
الإثنين

استبيان

الافتتاحية