Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

تودوروف.. عندما نعجز عن فهم الآخر

تودوروف.. عندما نعجز عن فهم الآخر
ادب وثقافة - 2:28 - 08/05/2016 - عدد القراء : 1905

إذا ما أردنا، لسبب ما، اختيار عنوان آخر لكتاب تزفيتان تودوروف «فتح أمريكا.. مسألة الآخر»، فربما كان العنوان الأقرب إلى روح الكتاب هو «رسالة في التسامح» (في استعارة لعنوان جون لوك الشهير). ولكن أي تسامح هو الذي ينشده تودوروف؟، بين من ومن؟، على أي أسس ووفق أي محددات؟، من هو الآخر الذي يشير إليه العنوان الفرعي لكتابه؟.يتنوع «الآخر» بتعدد تعريفات «الذات». يمكن أن يكون الآخر هو المرأة بالنسبة للرجل، أتباع دين آخر بالنسبة إلى أتباع دين محدد، شعب آخر، ثقافة أو حضارة أخرى.. أما التسامح الذي يجب أن يكون الأساس المكين لأي تواصل بين الذات والآخر، فهو عند تودوروف يتجاوز المفهوم التقليدي القائم على التعطف والترفق والترفع عن إلحاق الأذى. وهو في كتابه هذا يذهب أبعد من ذلك بكثير، مسائلاً «الذات» أين وصلت في إقرارها بوجود «الآخر».. في قبولها باختلافه ونديته في الوقت نفسه؟.
على المستوى النظري، تبدو البشرية الآن وقد أنجزت إجابات مريحة حاسمة، حتى ليعتقد المتفائلون أن المنظور الإيجابي ل«مسألة الآخر» قد صار أشبه بالبدهية في ثقافاتنا الإنسانية الراهنة. ولكن الواقع لا ينفك عن تقديم ما يشرخ هذا التفاؤل ويقلق استرخاء«النظرية»، مؤكداً أن العنف والإقصاء والتحقير.. لا تزال أشكالاً سائدة في التعاطي مع الآخر، ما يعني أن «البدهية» لم تصبح بدهية بعد.يُستَهل الكتاب بقصة رواها دييغو دي لاندافي تقول القصة: «خلال الحرب، أسر القائد آلونسولوبيث دي آبيلا امرأة هندية شابة، حسناء وفاتنة. وكانت قد وعدت زوجها، الخائف من أن يقتل في الحرب، بأنها لن تكون لأحد سواه. وهكذا فإن أية محاولة للإقناع ما كان لها أن تنجح في ثنيها عن الرحيل عن الحياة بدلاً من أن تسمح لنفسها بأن يدنس جسدها رجل آخر. وهذا هو السبب في أنهم قد ألقوا بها إلى الكلاب».يعلق تودوروف: «إنني أكتب هذا الكتاب سعياً إلى التأكد، إلى حد ما، من ألا ننسى هذه القصة، وألف قصة أخرى مشابهة. ورداً على السؤال: كيف يجب التعامل مع الآخر؟ فإنني لا أجد وسيلة للإجابة إلا بأن أروي تاريخاً أمثولة، هو تاريخ اكتشاف وفتح أمريكا».إذاً هو ليس تأريخاً ولا كتاباً في التاريخ، وإنما بحث في التاريخ عن قضية ثقافية بعينها، هي مسألة الآخر، واستقصاء لتطورها واتجاهاتها ومآلاتها. وليس أفضل من «فتح أمريكا» كنموذج ملائم لذلك، فقد صدمت ذات الغرب (إسبانيا أساساً) إذ وجدت نفسها إزاء آخر غير متوقع وغير مألوف. ويمكننا عكس العبارة بالطبع: لقد صدمت ذات السكان الأصليين وقد ألفت آخر غريباً ومحيراً وقد صار على أرضها. فكيف كان هذا اللقاء الاستثنائي؟ كيف تعاطى كل من الطرفين مع الآخر؟ كيف فهمه وحاول إفهامه؟ ما هي الرموز والعلامات التي استخدمت في هذا الاتصال الفريد؟.يبدأ تودوروف حكايته من كريستوف كولومبس بالطبع، فهو البطل الأول في الحكاية. لكن كورتيس ربما يكون أكثر فائدة لموضوع هذا «التاريخ الأمثولة»، فمعه نكون قد خرجنا من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة الفتح، والواقع أن «الفاتح» الإسباني سوف يدشن قاعدة أساسية في ظاهرة الاستعمار: المعرفة التي تنتج سلطة. الفهم الذي يؤدي إلى الاستيلاء الذي يؤدي إلى التدمير.. لقد ثابر كورتيس على فهم لغة السكان الأصليين وفك رموزهم وعلاماتهم، ودراسة عقائدهم والعلاقات السائدة بينهم. وبالمقابل فقد حرص على التدقيق في رسائله إليهم، إيحاءاته سلوكياته ورموزه وعلاماته الهادفة. كان، وخلافاً لكولومبس اللامبالي بالاتصال، مستقبلاً جيداً ومرسلاً جيداً. ولكن لماذا يقود فهم الآخر إلى الاستيلاء عليه ومن ثم تدميره؟ يجيب تودوروف: لأن الذات لم تفهم الآخر على أنه ذات بدوره، بل آخر خارجي، موضوع لا ذات له، فهو إذاً أدنى ولا يستحق الالتفات إلى رغباته وحاجاته وأحلامه وأفكاره.. عبر هذه المعادلة، ووفق هذا الفهم، ارتكبت فضائع لا تحصى على يد الفاتحين: مجازر واغتصاب ونهب وإحراق كتب وتدمير معابد..وخلافاً لمؤلفين كثر، فتودوروف لا يرسم، بالمقابل، صورة مثالية للشعوب المقهورة، للأزتيك وللمايا وغيرهما، فعند هؤلاء نمط ثقافي واجتماعي ينطوي على العديد مما لا يستطيع المرء الدفاع عنه: تقديم البشر قرابين للآلهة، عبودية المرأة، الاستلاب الكامل أمام الأسلاف، تغييب الفرد لصالح الجماعة.. ما يقودنا إلى الوقوف أمام نمطين، حضارتين: حضارة القرابين مقابل حضارة المجازر. فهل علينا أن نختار بينهما؟.
لم يكن كورتيس خاتمة للقصة، فبعده ظهرت أصوات مختلفة وأبطال آخرون. اثنان منهم سوف يثيران سؤالاً ما زالت أصداؤه تتردد حتى يومنا هذا: تفاوت أم مساواة؟. وحول هذا السؤال دارت مناظرة امتدت لسنوات طويلة في القرن السادس عشر. سيبولبيدا يدافع عن التفاوت: «إنهم أدنى منا. هم: الطفل، المرأة، الغريزة، الجسد، المادة. فيما نحن: الراشد، الرجل، العقل، الروح، الشكل». أما لاس كاساس فقد تبنى المساواة: «إنهم لا يختلفون عنا، يشبهوننا، أو بالأحرى يشبهوننا كما كنا في الماضي، وبالتالي نستطيع استيعابهم وإدخالهم في عقيدتنا وحضارتنا». ويقول تودوروف: إذا كان التفاوت يشكل عقبة أمام فهم الآخر، فإن المساواة، التي تصل إلى حد التطابق، لا تقود إلى نتيجة أفضل، إذ يُختزل الآخر إلى مجرد نسخة من الذات، فنهدر حق الاختلاف.ثم جاء تطور جديد. فمع نصوص دوران وساهاجون وغيرهما، بدأنا نلمح حضور الآخر الذي كان غائباً، وصرنا نسمع صوته، وجاء التشكيك بالمعايير المطلقة التي تحكم النظر إلى «التخلف» و«التقدم»: «إنهم متخلفون قياساً إلى معاييرنا ولكن ماذا عن معاييرهم هم؟»، ما شكل افتتاحاً للحديث في «النسبية الثقافية» الذي اتسع وتعمق فيما بعد.وكما يحدث غالباً، فإن كل إجابة جديدة تثير سؤالاً جديداً، وهكذا أثارت «النسبية الثقافية» أسئلة عديدة: ألا يحق لنا الحديث عن تراتبية حضارية وثقافية؟ ألا يوجد بالفعل حضارة متقدمة وأخرى أقل تطوراً؟ ألا يحق للحضارة المتطورة أن تؤثر في تلك المتخلفة؟، أليس هذا التأثير بين الشعوب هو مفتاح التقدم والترقي في التاريخ؟.لا ينفي تودوروف تاريخية التأثير ومشروعيته، ولكنه يضع حرية الاختيار في صلب الإجابة. فهل خُير الأزتيك، مثلاً، في تبني المعايير الأوربية؟ هل سئلوا عن رأيهم؟ هل عرضت أمامهم خيارات؟. ثم يستحضر هذه الواقعة كنموذج عن أسوأ أشكال التحضير: «رأى قائد إسباني هندياً يذبح هندياً آخر، في استعادة لمشهد طقوسي كان متبعاً، فما كان من القائد إلا أن علق الذابح على السفود حتى مات احتراقاً». ويعلق: أن نعاقب من ذبح بأن نشويه.. أن نمنع الذبح بالحرق..فأيهما الوسيلة الأكثر تحضراً للموت؟!.ويختم تودوروف من حيث بدأ:«لقد ماتت امرأة من المايا ملتهمة من الكلاب. وحكايتها هي تكثيف لأحد الأشكال المتطرفة للعلاقة مع الآخر.. وما أرجوه ليس أن ترمي نساء المايا من تصادفن من الأوربيين إلى الكلاب لتلتهمهم (وهو اقتراح غير معقول بالطبع). بل أن نتذكر ما ينذر بأن يحدث إن لم ننجح في اكتشاف الآخر».

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
26°
39°
السبت
39°
أحد

استبيان

الافتتاحية