Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

عنترة بن شداد.. استحضار مستمر لسيرة شعبية من المخيلة العربية

عنترة بن شداد.. استحضار مستمر لسيرة شعبية من المخيلة العربية
ادب وثقافة - 2:44 - 23/05/2016 - عدد القراء : 462

تعدّ سيرة عنترة بن شداد من أكبر الملاحم القصصية التي نسجها المخيال الشعبي وغذّاها الخيال الروائي حتى غدت أسطورة عربية متكاملة البناء شبيهة إلى حدّ كبير بالأساطير الإغريقية. اختلفت في رواياتها التفاصيل والأحداث ولكنها اتفقت في نسج ملامح البطل الأسطوري، البطل الوجودي الذي يحارب الأقدار ويصارع الأخطار من أجل نحت ذاته وفرضها وسط ظروف قدرية تعاكسه. فقد كان عنترة فارس العرب وشاعرها وفخرها ورمز الشجاعة والقوة والبسالة وعنوان الفروسية، وهو حامي القبيلة وحارسها، ولا يزال كذلك في مخيال العرب يشبّه به كلّ من ارتقى درجة من القوة والبسالة وطمح إلى نيل لقب بطل الفرسان.والتاريخ العربي لم يجد مثيلا لعنترة فهو وحيد عصره ومضرب الأمثال لدى العرب، فقد تشكلت صورته البطولية من خلال خصاله وقوته وشجاعته الفريدة وازدادت شعبيته لدى الناس إعجابا به وبشعره وتضامنا معه لما عاناه من تمييز وتهميش بسبب نسبه ولونه، إضافة إلى قصته مع عبلة ومعاناته في حبها وحرمانه منها.ومن الصعب أن تجتمع كل هذه الخصال في شخصية واحدة، أن يكون فارسا محاربا وبطلا بلا منازع يهابه القريب والبعيد لبطش سيفه – وهو ما يدلّ عليه اسمه المشتق من عنتر عنترة أي شجع في الحرب وعنتره بالرمح أي طعنه به كما ورد في لسان العرب – فهو اسم على مسمّى، وفي نفس الوقت شاعر عاشق مرهف الإحساس تجرحه الكلمة وهو الجارح بسيفه ونبيل كريم يشهد على حسن خلقه وشهامته. فلم يكن عنترة مجرّد شاعر كبير وفارس العرب وبطل داحس والغبراء، بل هو رمز لمجدهم وبطولتهم، تظلّ سيرته حية في مخيلتهم تكبر وتتضخم كلما تقدم الزمن.ورغم تغيّر ظروف العصر ظلّت سيرة عنترة أسطورة يفوح عبقها بروائح الشهامة والشجاعة يتغنى بها العرب تذكيرا بماضيهم المجيد ماضي القوة والانتصار. فكان عنترة ابن العرب وليس ابن شداد العبسي وهو سيفهم المسلول أبدا. الجدير بالتذكير هنا أن القراءات التاريخية كشفت أن عنترة بن شداد تعـود أصوله لمنطقة ليوا القريبة من أبـوظبي.ولم تقتصر سيرة عنترة على الأدب والتاريخ بل كانت من قصص التراث الشعبي يحكيها الناس ويتفاخرون بها ومن منهم لا يريد أن يكون عنترة، وهناك من اختص في رواية سيرة عنترة وهم الحكواتية ويسمّون العناترة في مصر وقد عرفوا برواياتهم لسيرة عنترة والظاهر بيبرس وسيف بن يزن وفي رواياتهم تجد الكثير من المبالغة والتفخيم والتعظيم في شأن المحاربين الأبطال وسيرهم تمتدح الفتوّة وتحفز الشعور البدوي لدى المستمعين وتبعث فيهم الشعور بالنخوة والافتخار بالانتماء إلى أمة يحفل تاريخها بالبطولات. فتلعب رواية السيرة الشعبية هنا دور المعلم التراثي الذي يخلّد عظمة أصحابه ويربط الحاضر بالماضي ويظلّ شاهدا على مجد السابقين.شخصية عنترة العبسي لم ينحتها الواقع بقدر ما نسجها المخيال الشعبي وأضاف إليها الكثير من الروايات تعزز أسطورته تمثل سيرة عنترة قيمة الفضيلة عند العرب أصدق تمثيل وتعكس نظام الحياة القبلية في العصر الجاهلي، وهو نظام طبقي تحكمه ثنائية السيد والعبد قوامه الدفاع عن العرض والشرف تتصارع فيه القبائل وتتفاخر بالقوة والشجاعة، فكان عنترة العبسي سيّد قبيلته وهو العبد وقد تغلّبت بطولته على عبوديته فاعتلتقيمته وعظم شأنه فكان انتصاره انتصارا للقيم العربية بل الإنسانية شأن العدل والمساواة والكرامة، وهو ما سعى إليه بسيفه وقلبه ولسانه.وجاء شعره ترجمة لتجربته الوجودية المتميزة، فهو الفتى المنبوذ والفارس المحارب البطل أبى أن يظلّ عبدا فتمرّدت شجاعته على تقاليد القبيلة ويكفي أن يكون فخر بني عبس.يعدّ عنترة مثالا للفروسية العربية بخصالها النبيلة السامية التي سجلتها معلقته ومغامراته الحربية، فمن أجل قيم الشهامة والشرف يحارب ويستبسل ويذود عن قومه، فهو دائم الذكر لهم في وغى الحروب.فمثل على الدوام مصدر إلهام للعديد من الفنانين والأدباء فكان موضوع لوحات فنية يتداخل فيها الفني والأسطوري لإنتاج جمالية البطولة الكونيّة، كذلك شأنه في الأدب فقد أسالت سيرته مدادا كثيرا وشكلت نسيجا من القصص والروايات تفاخر بالبطل الملحمي كما صوّره المخيال العربي، فقد كان في الوجدان الجمعي مثال الحرية والفروسية والبطولة والكرامة والنبل وظلّ حاضرا أبدا يستحضره العرب في الحروب والمعارك وينشده المظلوم ويتمنى عودته حاملا سيفه لينقذ الأمة ويسترجع حقها المسلوب.ما تبقّى من رواة السير الشعبية والحكواتية مازالوا يتداولون سيرة عنترة وكأنها حدثت بالأمس القريب كما ظلّ المخيال العربي يعيد إنتاج عنترة باستمرار خاصة في فترات الضعف والوهن التي تمرّ بها الأمّة وهي طويلة وكثيرة، يبعثه حاميا لها ونصيرا. فقد لاقت سيرته الشعبيّة رواجا كبيرا في الفترة الاستعمارية الحديثة، خاصة في مقاهي الحواضر وفي أسمار البوادي والأرياف العربية، بحيث شُهّرت هذه البطولات سيفا مسلولا في مواجهة الآلة الحربية الحديثة! ولعلّ هذه البطولات مازالت في وعي العرب إلى اليوم تساعدهم على مواجهة الضيم والقهر، ولكن إلى أيّ مدى يمكن أن تصمد بطولة السيف أمام قوة التكنولوجيا المعاصرة؟إنّ شخصية عنترة العبسي لم ينحتها الواقع بقدر ما نسجها المخيال الشعبي وأضاف إليها الكثير من الروايات تعزّز أسطورته.ويقارن البعض بين سيرة عنترة وسيرة السيّد فارس قشتالة الأسبانية وهو الشخصية التي أحياها كورناي وكذلك الإلياذة عند الإغريق ولا سيما سيرة أخيل التي تشبه كثيرا سيرة عنترة وإن تحولت فـي المخيال الإغريقي إلى أسطورة غير واقعـيّة.وهو ما تصوّره السيرة الشعبية لعنترة بطلا خرافيا وفارسا أسطوريا وبطلا ملحميّا، لذلك تشكل سيرة عنترة وشخصيته ظاهرة شعرية وأسطورية في التاريخ الأدبي وتجربة عربية فريدة من نوعها، وهي ليست تجربة فردية بل تجربة جماعية تلخّصت في فرد مثل قيم الانتماء والتجذّر، الانتماء الجمعي الذي يتوحد مع القبيلة والانتماء الفردي المرتبط بالذات، فامتزجت الشخصية التاريخية بصوت الشاعر الممتلئ بصوت الجماعة التي يعبر عنها في شعره وفي حياته في مزيج بين الواقعي والخرافي.ولا يزال ذلك الصوت الفردي الجماعي حاضرا في مخيلة العرب يتردد صداه في استحضار الذكرى والماضي الذي يؤصّل الجذور والانتماء مهما حاولت رياح العصر الانبتات عن هذه الأصول ولا يزال ما تبقّى من رواة السير الشعبية والحكواتية يتداولون سيرة عنترة وكأنها حدثت بالأمس القريب.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
29°
40°
الأربعاء
43°
الخميس

استبيان

الافتتاحية