Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

لقاء على جمر الشعر والحرية

لقاء على جمر الشعر والحرية
ادب وثقافة - 15:03 - 24/05/2015 - عدد القراء : 573

حينما ذهبت عبلة الرويني الصحفية في جريدة أخبار الأدب أحد أيام أكتوبر/تشرين الأول من عام 1975 لإجراء حوار مع الشاعر أمل دنقل في دار الأدباء لم تكن تظن أن ذلك سوف يكون بداية لعلاقة حب وزواج، يمتد إلى نهاية حياة ذلك الشاعر الذي لم يعرف الاستقرار في حياته، ولم تكن تظن أنها بداية لتخليها عن حياتها الهادئة المستقرة في بيت أهلها إلى حياة ذلك الرجل المتناقض، الذي لا يملك ثمن كوب الشاي ولا يلبس سوى بنطلون واحد أسود، تركت فيه نار السيجارة ثقباً كإعلان عن صعلكة لا تزول.سبَتْها شاعريته، وسباه عنادها وحبها له، وأغلقت أذنيها عن كل التحذيرات التي تلقتها من معارفه وأصدقائه بأنه رجل حاد الطبع، لا يطاق، متكبر ومتناقض، فتزوجا، ووجدت فيه كل الطباع التي سمعت عنها، لكنها تمسكت به، شاعرا مبدعا، يعيش الشعر في كل تفاصيل حياته، ولا يريد أن يلونها بغير الشعر، لا يريد أن يغير في مجرى انفعلاته، فلا يميز فيها بين السر والعلن، بل تخرج منه في العلن كما هي في السر، ولذلك صعب على غيره أن يسايروه في تلك الحياة، فابتعدوا عنه، واقتربت الرويني منه، عاشت معه بعناد، كان الحب وتمسك كلٍّ واحد بالآخر، هو الشيء الوحيد المستقر في حياتهما، يعودان إليه، بعد كل خلاف وكل شجار، وما أكثر ما كانت الخلافات والشجارات بينهما، لكنهما يخرجان منها إلى ذلك الانجذاب الأول بين شاعر ضائع باحث عن استقرار واحتضان لم يجده إلا عند تلك الفتاة التي أعجبت بشعره وكبريائه ونضاله ضد الزيف، وعاندت العالم لكي تبقى قريبة منه.حين التقيا كان أمل دنقل شاعراً معروفاً نشر الكثير من الشعر الثوري الرافض للأوضاع في مصر والوطن العربي، حتى أصبح يمثل صوت الفقراء والمظلومين، وصوت الرافضين لكامب ديفيد ولكل صلح يجلب مذلة، وكل خنوع وخضوع للظلم وكانت قصيدته «لا تصالح» العنوان الأبرز لذلك الرفض الذي وسم شعر دنقل.كانت الرويني تخطو أولى خطواتها المهنية كصحفية وكاتبة في جريدة أخبار الأدب حين قررت أن تجري حوارا مع الشاعر أمل دنقل، ولم تكن الصحف وقتها تفتح الباب لهذا الشاعر اليساري المعارض لحكم السادات، لذلك تم تحذيرها من حواره، وأن الحوار لن ينشر، لكنها أصرت تمسكا بقيمة الحرية وأحقية الشاعر في أن يسمع صوته معايير التصنيف السياسي، وأفلحت في النهاية في إجراء الحوار ونشره، وسمح لها ذلك الحوار، وما تبعه من لقاءات بينها وبين دنقل، بأن تكتشف نزعته الدائمة إلى الحرية، وخوفه وهروبه الدائم من كل ما يمكن أن يقيد تلك الحرية، وربما يكون ذلك في الصميم هو ما جعلها تحبه إلى حد التضحية بحياة الاستقرار وبعروض زواج أكثر سخاء ورخاء من مشروع مع شاعر بوهيمي معدم مستعد أن يقوم من نومه في ساعة متأخرة من الليل ويخرج من البيت ليتسكع في الطريق أو يجلس في مقهى حتى الفجر، كانت الحرية والعيش للشعر هي القيم التي أحبتها الرويني في دنقل، فهو لم يمارس أي مهنة غير الشعر، ولم يقبل بأي التزام يمكن أن يحد من حريته أو يحول بينه وبين الشعر الذي أخلصه، وكان يكتبه في كل وقت، وفي كل مكان، فقد عاش للشعر، وعاش له الشعر، وقد تلمست الرويني تلك النزعة التحررية التي لا يحد سوى قيد الإبداع عندما وصلت علاقتهما إلى لحظة كان لا بد أن يقررا فيها الزواج، فكان يتهرب منها قائلاً: «لن أستطيع الزواج بك لأنني لا أملك شيئاً»، ثم يحذرها «ستشقين معي لأني لا أملك قوت يومي»، لكنها كانت تتمسك به، وتقول له: «سأشقى أكثر بدونك، وأنا أملك قوت غدي». وتقول الرويني في كتابها عن أمل دنقل «الجنوبي» إن هذا النزوع الأبدي إلى الحرية، نابع من نفسيته «الصعيدية» القائمة على الإحساس بالعزة، كما أنه عرف اليتم في صغره، وعانى ظلم الأهل والأقارب، فنزعت نفسه إلى التمرد والانعزال والهروب من كل ما يمكن أن يشكل سيطرة عليه، وهو ما ترجمه لاحقاً في الهروب من كل الأطر الاجتماعية والسياسية.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
8°
19°
الجمعة
19°
السبت

استبيان

الافتتاحية