Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

ما الذي‮ ‬يدفع فيلسوف بحجم‮ ‬ ليبوفتسكي للكتابة عن الموضة؟

ما الذي‮ ‬يدفع فيلسوف بحجم‮ ‬ ليبوفتسكي للكتابة عن الموضة؟
ادب وثقافة - دينا مندور - 0:06 - 30/05/2016 - عدد القراء : 1734

ما الذي‮ ‬يدفع فيلسوف ذائع الصيت وعالم اجتماع مرموق مثل جيل ليبوفتسكي للحديث والاهتمام بأمر مثل الموضة، ‮ ‬يبدو للكثيرين كموضوع‮ “‬ثانوي‮” ‬أو عنصر رفاهية بحت تتمتع به الإنسانية؟‮ ‬كان ذلك السؤال هو أول ما شغلني عند التعرض لترجمة هذا الكتاب، ‮ ‬ومع معرفتي بالفيلسوف من خلال ترجمتي لكتابه‮ “‬المرأة الثالثة‮” ‬الذي سبق أن صدرت ترجمته عن المركز القومي للترجمة في عام‮ ‬2012، ‮ ‬لم أندهش كثيرًا وإنما انشغلت بالبحث عن الأسباب‮. ‬اشتهر ليبوفتسكي بالحديث عن سلوكيات الإنسان في مجتمع ما بعد الحداثة أو بما أسماه مجتمع‮ “‬الحداثة المفرطة‮” ‬عبر الاهتمام بموضوعات تجلت في كتبه السابقة مثل‮ “‬زمن العدم‮” 8391، ‮ ‬أو اللاحقة مثل‮ “‬مجتمعات الإخفاق‮” 6002، ‮ “‬السعادة المفارقة‮” (6002)‬، ‮ ‬و”تجميل العالم‮” 3102‮ ‬لآخر كتبه‮ “‬عن الخفة‮” (‬5102)‬حين التفت إلى موضوع الموضة كان حريًا به أن‮ ‬ينظر إلى نشأة الظاهرة بطرق جميع الأبواب المؤدية إليها‮ ‬، ‮ ‬أو بمعني أدق، ‮ ‬المحيطة بها، ‮ ‬فكانت البداية البديهية هي النظر في البعد التاريخي والذي بذل فيه مجهودًا ضخمًا وملحوظًا بجمع مادة دقيقة عن الطبقات الاجتماعية وأزيائها وأفكارها إزاء الملبس والمظهر، ‮ ‬دون إغفال الجماعات محدودة الانتشار في أماكن متفرقة من العالم متناولاً‮ ‬تفاصيل مظهرها مرورًا بمرجعيات الزي الثقافية وفقًا لعادات تلك الجماعات وتقاليدها، ‮ ‬وصولاً‮ ‬لأسباب تغير نمط الزي وأسبابه هو الآخر‮. ‬كان للجانب الاجتماعي عنده، ‮ ‬بصفته عالم اجتماع في الأساس، ‮ ‬النصيب الأكبر في تحليله وعرضه‮. ‬انتبه خاصة إلى أهمية عنصر التنافس بين الطبقات ونزعة المظهرية في نشوء وتشكّل وازدهار ظاهرة الموضة‮. ‬فكلما ابتكرت طبقة النبلاء أو الطبقة العليا في أي مرحلة تاريخية زيا ما، ‮ ‬كانت الطبقات الأقل تسعي، ‮ ‬بعد بعض الوقت من ظهوره، ‮ ‬لتقليده واستنزاله إلى طبقتها، ‮ ‬وهو السلوك النابع من رغبة لاشعورية في الانتماء للطبقة الأعلى. ‬بالطبع لم تكن الطبقة الأقل تستطيع في جميع الأحوال الاحتفاظ بتفاصيل وتكاليف الزي الباهظة بما لا‮ ‬يتناسب مع ميزانياتها وإمكانياتها المادية، ‮ ‬فكانت تلجأ لتقليد مشوِّه بعض الشيء، ‮ ‬مما‮ ‬يدفع بالطبقة الأعلى للتخلي عن الزي وابتكار آخر جديد تتميز به‮… ‬لتستمر الدائرة الحلزونية‮.‬لم‮ ‬يتوقف الفيلسوف عند البعد التاريخي والاجتماعي وانتقل إلى مناطق أكثر إثارة في تاريخ الموضة مثل نشوء الماركات العالمية وكيف استطاعت أن تجذب في ركابها، ‮ ‬رغم الأثمان الباهظة لأزيائها، ‮ ‬عددًا متزايدًا من الزبائن والمهتمين بها‮. ‬لم تلبث تلك الماركات أن ووجهت بصناعة الملابس الجاهزة التي انتشرت في جميع أركان العالم بشكل سريع وكانت تحاكي تصميمات الأزياء الراقية والماركات العالمية مع الاستغناء عن بعض التفاصيل، ‮ ‬هنا‮ ‬يوضح لنا الكاتب كيف تطور هذا الصراع وكيف تم حسمه‮. ‬ومع كون المؤلف لا‮ ‬ينتمي لعلماء الاقتصاد إلا أنه لم‮ ‬يستثنِ‮ ‬البعد الاقتصادي من عرضه بل وأفرد له صفحات عديدة، ‮ ‬فنلاحظ جهدًا لافتا‮ ‬يقف خلف الأرقام والإحصائيات المختلفة والمتنوعة التي تدعم نظرياته وتفسر فرضياته، ‮ ‬فكان كل فصل وكل فقرة مدعمة بما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقنعنا كقراء بمراحل تطور مسيرة الملبس‮. ‬لم‮ ‬يغفل الكاتب الموضات الحديثة التي قلبت الموازين وفرضها الشباب في العصر الحديث على بيوت الأزياء بميولهم للتحرر والنزعة العملية والتخفف من قيود ومعايير الزي القديم مسترشدًا بالأسماء والتواريخ المحددة، ‮ ‬ومعبرًا عن أسلوب حياة ونمط تفكير أجيال استطاعت فرض ذائقتها على خريطة الموضة‮. ‬المدهش في الكتاب أنه لا‮ ‬يتوقف عند نمو الموضة وتطورها في مجال المظهر فقط بل‮ ‬ينتقل بنا إلى الحديث عن موضة الاجهزة والأدوات التي تستخدمها العائلات في البيوت والحياة اليومية، ‮ ‬لنجد أنفسنا نعبر معه فوق جسر منطقي‮ ‬يربط بين ذوق الانسان المعاصر في الزي وفي باقي تفاصيل حياته اليومية لنكتشف مبررات وجيهة تحكم الاختيارات في كافة المجالات‮. ‬ترجمة العنوان الأصلي للكتاب هو‮: ‬مملكة الزائل‮، ‮ ‬الموضة ومصيرها في المجتمعات الحديثة، ‮ ‬إلا أننا عند الترجمة آثرنا تفضيل لفظ الموضة في العنوان الرئيسي كونه هو الموضوع الأساسي، ‮ ‬مع الاحتفاظ بصفة الزوال الغرائبية التي تعد مصدر الدهشة في محتويات الكتاب في السطر اللاحق‮. ‬وما‮ ‬يقصده ليبوفتسكي بالزوال هو الخسوف الذي‮ ‬يلحق بظهور موضة ما، ‮ ‬ويعقبه شروق جديد لموضة أخرى، ‮ ‬إذن، ‮ ‬فهو زوال‮ ‬يتجدد‮. ‬من هنا‮ ‬يتضح لنا أن اهتمام الكاتب بموضوع الموضة نابع من قناعته بضرورة سبر أغوار ماضيها وتاريخها بهدف فهم الرسم البياني المتذبذب لمسيرتها وما شهدته من تقطعات عبر مسيرتها، ‮ ‬وللتأكيد على كونها لا تتميز بالخفة التي‮ ‬يعتقدها الكثيرون، ‮ ‬بل‮ ‬يتحكم فيها ويحركها أطراف عدة ومسارات تتجاور أحيانًا وتتقاطع أحيانًا أخري، ‮ ‬مثلها مثل ظواهر أخرى تؤخذ على محمل الجد ربما أكثر منها‮. “لماذا ظهرت الموضة وتطورت في الغرب وليس في أي مكان آخر؟ وكيف نفسر موجات المد والجزر المتلاحقة في الأشكال والأذواق التي انتشرت في المجتمعات الغربية منذ ستة قرون؟ اللافت للنظر هو قلة التساؤلات النظرية التي أثارتها تلك الإشكالية‮. ‬كيف تجاهلناها‮ ‬في الواقع،‮ ‬اننا عاجزون بشكل‮ ‬يدعو للدهشة،‮ ‬فيما‮ ‬يتعلق بتحديد أصول الموضة ومصادرها‮. ‬وما‮ ‬يعد مرجعاً‮ ‬معتمدًا لها،‮ ‬تم إصداره في القرن التاسع عشر،‮ ‬ولم تتطور نظرياته،‮ ‬مذاك،‮ ‬في عمقها،‮ ‬إلّا قليلاً‮. ‬واكتفت،‮ ‬بالمراجعة والتدقيق في مبادئ ثابتة وقائمة‮ ‬كحقائق عقائديّة من وجهة نظر الفكر السوسيولوجي‮. ‬نجح نموذج التمييز الاجتماعي بين الطبقات في الظهور التدريجي كمفتاح،‮ ‬لا‮ ‬غني عنه،‮ ‬للظاهرة‮. ‬كما ضاعف من عناصر التحليل وذلك بوضع الظواهر الثانوية في مكانها الصحيح‮. ‬إذ أنه لابد من اللجوء إلى إعادة تأويل شاملة للموضة،‮ ‬بل وإعادة النظر إلي الدور التاريخي للطبقات وللتنافس فيما بينهم‮. ‬من المؤكد أننا لا نستطيع فهم ظهور الموضة دون ربطها بمجموع الظروف العامة في أوروبا الغربية بعد العام ألف‮. ‬ظروف اقتصادية واجتماعية بالتأكيد،‮ ‬ولكن أيضاً،‮ ‬وعلي صعيد أكثر خفاءًا،‮ ‬هذا الحدث الجلل المتمثّل في توقف الفتوحات،‮ ‬والفاتحين القادمين من الخارج‮ . ‬وسيتجلي ذلك في النمو الاقتصادي اللاحق،‮ ‬وفي انطلاقة الحضارة بأكملها‮. ‬لم تكن العاب الطيش ممكنة الّا بسبب هذا الاستقرار الثقافي العميق الذي‮ ‬يدعم مرسيً‮ ‬دائمًا للهوية الجماعية‮: ‬إذ‮ ‬يتأسس ثبات الهوية الثقافية الغربية،‮ ‬الاستثنائية في التاريخ،‮ ‬علي جذور من مبدأ عدم الثبات‮. ‬التوازي مع تلك التقلبات للحياة الاقتصادية،‮ ‬ظهرت أبعاد أخري للحضارة المادية،‮ ‬كاتساع التبادلات الدولية،‮ ‬والنهضة الحضرية والديناميكية الجديدة للحرفيين،‮ ‬قد أثّرت،‮ ‬ولو بطريقة أخرى،‮ ‬على تطور الموضة‮. ‬سمحت صناعة النسيج والحركة التجارية الكبيرة،‮ ‬في القرون الوسطى،‮ ‬بتعدد المواد المستخدمة في تصنيع الملابس‮: ‬حرير من الشرق الأقصي،‮ ‬فراء ثمين من روسيا ومن سكاندنافيا،‮ ‬وقطن تركي،‮ ‬وسوري او مصري،‮ ‬جلود من الرباط،‮ ‬وريش من افريقيا،‮ ‬ومصنوعات ملونة من اسيا الصغري‮. ‬وفّرت صناعات النسيج والصباغة الأقمشة التي تستخدمها الطبقات المرفهة وجالت في أوروبا بأكملها من خلال إقامة المعارض وحركة الملاحة البحرية‮: ‬أقمشة من فنلندا وانجلترا،‮ ‬وحرير من المانيا الجنوبية،‮ ‬ومخمل من ميلانو وفينيسيا وجنوة‮. ‬وعرض كتاب المهن لأيتان بوالو‮ فيما بين عامي‮ 0621‮ ‬و0721،‮ ‬في باريس،‮ ‬بضعة عشر مهنة مختصة بالأزياء والملابس والمظهر بشكل عام‮ : ‬مصممي فساتين،‮ ‬وخياطين،‮ ‬اسكافيين‮… ‬الخ‮. ‬سيتعين انتظار عام‮ ‬5761 ‬حيث ستتأسس طائفة الترزيّة‮ ‬وتحصل علي الأذن بتصنيع ملابس السيدات‮: ‬وحتي تلك اللحظة كان للمصممين الحق‮ ‬في التفصيل للجنسين،‮ ‬ماعدا الأجساد الضخمة‮. ‬وقد لعبت المهن بأقطابها،‮ ‬وقواعدها التقليدية والتي وضعها وسجلها أعضاء الطائفة دوراً‮ ‬مهماً‮ ‬في انتاج الموضة حتي منتصف القرن التاسع عشر‮. ‬لا‮ ‬يمكن لأي نظرية من نظريات الموضة إلا أن تكون قريبة من عناصر الحياة الاقتصادية والمادية‮. ‬وهذا هو ما‮ ‬يدفعنا الي الاعتقاد ان مصدر الموضة‮ ‬ينبثق عن المنطق الاجتماعي اكثر منه عن الديناميكية الاقتصادية‮. ‬يقبع في اساس السيرورة،‮ ‬الصعود الاقتصادي الذي لحق بالطبقة البرجوازية والذي حبذ انطلاقة أذواقهم والاعتراف الاجتماعي بهم وفي الوقت نفسه التيارات المتزايدة لتقليد النبلاء‮. ‬البحث عن رموز التمييز،‮ ‬والمنافسة بين الطبقات،‮ ‬تلك هي المكونات الأساسية‮ ‬التي تحكم تفسير ظاهرة الموضة،‮ ‬منذ ما‮ ‬يربو علي القرن‮. ‬هناك نظرية استخدمت بكثرة حتي أيامنا هذه،‮ ‬وننسبها،‮ ‬اعتيادياً،‮ ‬لسبنسرSpencer ‮ ‬فإن الطبقات الفقيرة قلدت طريقة الطبقات الراقية في ماذا‮ ‬يلبسون وكيف‮ ‬يبدون،‮ ‬بحثاً‮ ‬عن التقدير الاجتماعي‮. ‬وكي تحافظ الطبقات الراقية علي الفرق والدرجة الاجتماعية‮ ‬كانوا مجبرين علي القبول بالابتكارات،‮ ‬وتغيير مظهرهم حالما‮ ‬يقلده الآخرون‮. ‬فنجحت الطبقات البرجوازية،‮ ‬بفضل أسبقيتهم وجرأتهم،‮ ‬في استخدام الماركات الرفيعة التي‮ ‬يستخدمها النبلاء،‮ ‬فإن التغيير سيفرض نفسه من أعلي كي‮ ‬يعيد تسجيل التمييز الاجتماعي‮. ‬من هذه الحركة المزدوجة للمحاكاة والتمييز ولدت‮ ‬الموضة‮. ‬ومن المعروف أنه مع انطلاقة الطبقة البرجوازية،‮ ‬شهدت أوروبا كسرًا للحواجز بين الطبقات،‮ ‬والحالات والظروف وباتساع ملحوظ‮. ‬تلك الديناميكية الاجتماعية،‮ ‬مع كونها محدّدَة الا انه لا‮ ‬يمكن ان تفسّر ديناميكية الموضة،‮ ‬بشطحاتها وإيقاع المتقافز‮. ‬ومن المستحيل قبول الفكرة القائلة بان التغيير في الموضة لم‮ ‬يحدث الّا بسبب ظاهرة الانتشار والمحاكاة الموسعة التي ألغت علامات النخبوية‮. ‬فإن سرعة التنويعات ذاتها هي التي تعارض هذه الفرضيّة‮: ‬غالبًا ما تنتهي الصيحات الجديدة اسرع بكثير من محاولات تقليدها بشكل شعبي،‮ ‬وهو ليس تأثير واقع لها،‮ ‬وانما تأثير مطلوب؛ ليس استجابة سوسيولوجية ولكن مبادرة جماليّة،‮ ‬وقدرة،‮ ‬مستقلة،‮ ‬علي التجديدات الشكلية‮. ‬لقد ضَعُفَ‮ ‬البُعد الكلاسيكي والذي لا‮ ‬يلاحظ في تقلبات الموضة الا كقيد مفروض من الخارج،‮ ‬وجبرية ناتجة عن الضغوط الرمزية للمطابقة الاجتماعية،‮ ‬فيما تتعلق بانتشار النهايات الجديدة والتطلعات الاجتماعية التاريخية‮. ‬ظهر نوع جديد من نموذج التمييز بين الطبقات وحظي بتفضيل واضعي نظريات الموضة‮. ‬فلم‮ ‬يبق السباق المتبع وظواهر‮ “‬تمييع الفروق‮” ‬بين أسفل التراتبية وأعلاها،‮ ‬ولكن صراعات النفوذ داخل الطبقات المهيمنة نفسها‮. ‬مع تطور الطبقة البرجوازية تجارياً‮ ‬ومالياً‮ ‬انطلقت ظاهرة الصعود الاجتماعي وبأهمية كبري‮: ‬فالبرجوازيون الذين أصبحوا أثرياء،‮ ‬اشتروا إقطاعيات ومكاتب،‮ ‬وزوجوا أبناءهم من طبقة النبلاء‮. ‬شهدت أوروبا،‮ ‬اعتبارًا من القرن الرابع عشر وحتي القرن الثامن عشر،‮ ‬نوعًا من التداخل البيني داخل الطبقات المهيمنة،‮ ‬وقد حبذت السلطة الملكية هذا الاتجاه،‮ ‬حيث انفتحت طبقة النبلاء علي الطبقات الكادحة،‮ ‬شيئاً‮ ‬فشيئاً،‮ ‬حجزت طبقة النبلاء الجديدة من أصحاب الشهادات العليا مكانها إلي جانب النبلاء ذوي السيوف‮. ‬بدأت سيرورة متسارعة من التمايز بين الطبقات الراقية،‮ ‬عندما اصبحت الثروات والتطلعات اكثر نشاطاً،‮ ‬وعندما اصبحت الحواجز الاجتماعية قابلة للتجاوز وعندما أزيحت ميزات الأصل والميلاد لصالح سلطة الثروة،‮ ‬كان عصر المنافسة اللانهائية من أجل النفوذ والألقاب المميزة‮.‬نعرف،‮ ‬انطلاقا من التحليلات الشهيرة لفيبلن‮ ،‮ أن استهلاك الطبقات العليا‮ ‬يخضع اساساً‮ ‬الي مبدا التباهي التفاخري،‮ ‬بهدف جذب علامات التقدير وعيون الآخرين‮. ‬إن العمل المحرك لأصل الاستهلاك،‮ ‬هو تنافس البشر،‮ ‬وحب الذات الذي‮ ‬يحملهم علي الرغبة العنيفة في المقارنة مع الآخرين والانتصار عليهم‮. ‬وكي‮ ‬يحوزوا الشرف والنفوذ ويحتفظون به،‮ ‬علي الطبقات العليا أن تصرف ببذخ،‮ ‬وينبغي عليها ان تستعرض الإثراء وعلامات الرفاهية،‮ ‬وأن تظهر،‮ ‬متباهية،‮ ‬بطريقتها المناسبة انهم ليسوا مضطرين للعمل المنتج والتافه‮. ‬لقد وجدت الموضة،‮ ‬بتنويعاتها السريعة،‮ ‬وابتكاراتها غير المفيدة‮” ‬خصيصاً‮ ‬من أجل الصرف البَاذخ العلني،‮ ‬فقد اصبحت عند فيبلن مجرد‮ ‬لازمة‮ ‬،‮ ‬ووسيلة للحصول علي التشريف الاجتماعي‮. ‬فيبلن،‮ ‬والذي لاحظ من خلال هذا المقطع ان‮ لم‮ ‬يُمنح أبداً‮ ‬التفسير الكافي لتنويعات الموضة‮ “‬،‮ ‬اعتقد ان نظرية التباهي المتفاخر وحدها كانت هي القادرة علي الوصول الي ذلك‮- ‬أي تفسيرها‮- . ‬هي التي تسمح وحدها بتفسير الفائدة العملية الخاصة بالموضة،‮ ‬وحدها،‮ ‬والكلام لازال ل فيبلن،‮ ‬هي مصدر تقلبات المظهر‮. ‬اذا كانت الموضة عابرة الي هذا الحد فذلك لأنها متنافرة وغير جمالية،‮ ‬لدرجة اننا لا نستطيع التصالح معها الا لبرهة قليلة‮. ‬من هنا تأتي ضرورة،‮ ‬والتي هي معالجة بالنسبة لنا من التأثيرات المنافية للعقل لتلك الأشكال والتجهيزات الجديدة المعارضة للذوق الرفيع‮: ‬فالموضة والفنيّة متعارضان‮. ‬إن الانكماش‮ ‬السسيولوجي بلغ‮ ‬هنا حده الأعلى‮: ‬فالوله‮ ‬يترجم تطلعاتنا للتقدير الاجتماعي فقط،‮ ‬وغالباً‮ ‬ما نحب الموضة لانها تسمح بوضعنا في طبقة اجتماعية معينة،‮ ‬وبـ”منحنا ماركة” لاستغلالها تمايزياً‮”.‬

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
16°
20°
الثلاثاء
20°
الأربعاء
ShorjaShop

استبيان

ما رايكم في الموقع الجديد؟

الافتتاحية