Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

محمود درويش لا يعتذر عن أحلام الربيع العربي

محمود درويش لا يعتذر عن أحلام الربيع العربي
ادب وثقافة - 0:43 - 13/08/2015 - عدد القراء : 413

عرف الشعراء الرفض قديماً، وآمنوا بكلمة «لا» منذ أن قال عبيد بن الأبرص «كلا» في وجه المنذر بن ماء السماء، وحتى بعد أن كتب محمود درويش: «كرهتُ جميع الطغاة» فإذا وقف شاعر على الحياد لن يلتفت إليه أحد، في حين أن من يقف على تخوم الخيال والحلم ضارباً بعرض الواقع نتائج الانشقاق والإخفاق، سيشهد له الجميع بالشجاعة.بأي حال لا يمكن للشاعر أن يصير سياسياً حاذقاً، والسياسي لن يصبح شاعراً مجيداً، فالشعر فن الجمال، والسياسة فن الاحتيال، والشاعر صاحب كلمة بيضاء، وما تكسبه بالكلمة، خير مما تكسبه بالرصاصة.امتلك محمود درويش رؤية على استشراف آفاق الثورات العربية، وظل حالماً بسقوط المحتل والديكتاتور كما كتب في مطولته «خطب الديكتاتور الموزونة»، والتي تنبأ فيها بسقوط الديكتاتوريات، ومنذ أن علق منشوره: «سأختار أفراد شعبي، سأختاركم واحداً واحداً من سلالة أمي ومن مذهبي».هكذا كانت صيحاته حتى رحيله، فظل يؤمن بالثورة ويحلم بها، لكنه لم يرها ولم يشهد نتائجها، وما آلت إليه الأمور من انحراف عن قيم مثالية، فالموت أغلق الأوراق والكفن، لكن الشاعر لا يموت، فسيفتح كفنه ليخرج من الموت، ويشارك الجماهير ما حلم به وما تحقق، ويفتح أوراقه ويدون، وربما يعدل إن رأى مساراً خاطئاً، لو عاد درويش وشهد الربيع العربي، وما أصاب الشعب العربي من دمار ودماء.. فهل يعتذر عما فعل؟!درويش لا يزال هنا في تونس يتنفس هواءها الأخضر فهو «لا يشفى من حب تونس» لا يزال مقيماً بحلمه وشعره هناك «منذ خروج الفصائل الفلسطينية من لبنان إليها، ودرويش يحلم بحلم الشعب في التحرر، درويش يشهد «ثورة البوعزيزي»، ويشارك الهتاف: «الشعب يريد إسقاط النظام».. درويش يتمهل ويسأل نفسه: ألستُ القائل من سنوات «سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوك لا مفر»!.. درويش ينشد قبل الخروج: «أكتبُ ههنا فصلاً جديداً في مديح البحر، لا تُعْطني يا بحرُ، ما لا أَستحقُّ من النشيد». درويش يشكر تونس مرة ثانية: شكراً لتونس على بدء الربيع.. درويش يرى ما تبع الربيع العربي هناك، شاهد قبح الصراعات والاغتيالات وضعف الاقتصاد التونسي، فاستطرد: «حافظي على نفسك يا تونس، سنلتقي غداً على أرض أختك فلسطين»، ويغادر تونس ليذهب إلى موجة الربيع العربي الثانية في مصر.درويش لا يزال هنا في القاهرة، لم يرحل إلى لبنان، درويش يجالس أصحابه القدامى في مبنى صحيفة «الأهرام» مقر الصحيفة قريب جداً من ميدان التحرير، ومن صوت الأبنودي في التلفاز: «آن الأوان ترحلي يا دولة العواجيز.. دمي ده ولا الربيع الاتنين بلون أخضر».درويش يبقى في القاهرة لشهور، يشاهد دماء الأبرياء، ويشاهد إرهاب «جماعة الإخوان» ويرى القاهرة بلا ضوء.. وبلا سياحة.. وبلا اقتصاد، يدعوه الأبنودي أن يذهب معه إلى الإسماعيلية، فهناك الجو أكثر هدوءاً من القاهرة، درويش يذهب إلى الخال في فيلا«آية ونور» درويش لا يشرب القهوة في الكافيتريا.. هو الآن مدعو على كوب شاي صعيدي في مكتبة الأبنودي، يتفقد أرفف المكتبة المطلية بالأبيض، يمسك كتاب «السيرة الهلالية» يدقق النظر في الغلاف فيرى شعار مكتبة الأسرة، يقلب الكتاب، ويعرف أن هذا الكتاب الضخم يباع بجنيهين فقط فيضحك.الأبنودي لن يرتاح، المرض لن يسكت صوته ولا جماعة الإخوان، الخال يكتب قصيدته: «رسالة إلى كهنة الإخوان» ويقرأ مخطوطها لدرويش: «أحلى لحظات التعاسة علمتنا الزنازين/ وإحنا جاهلين في السياسة بس لينا في الحنين».. يصفق درويش، ويقرأ للخال قصيدته: «عودة الأسير»: «واصلت يا مصر اعترافاتي/ دمي غطّى وجوه الفاتحين/ ولم يغطّ دمي جبينك، واعترفت/ وحائط الإعدام يحملني إليك إليك.. أنت الآن تقتربين، أنت الآن تعترفين/ فامتشقي دمي!.. والنيل ينسى/ ليس من عاداته أن يرجع الغرقى»، ثم يودع درويش الأبنودي، ويرحل إلى دمشق.يذهب درويش ليرى حمص فلا يجدها!.. يذهب ليرى حلب، فيجدها في قبضة «داعش» فينشد: «اغتسلي يا دمشق بلوني/ ليولد في الزمن العربي نهار/ أحاصركم قاتلاً أو قتيلاً، وأسألكم شاهداً أو شهيداً/ متى تفرجون عن النهر حتى أعود إلى الماء أزرق؟» ثم يذهب ليصافح صديقه القديم جداً، تمثال «أبو العلاء المعري» فيجده مهشماً.. لكن أطلال التمثال تتكلم، ولسان المعري ينطق من جديد:درويش.. يا شاعر الأرض، أريد أن أخبرك بحكاية: حدثت هنا فتنة من سنوات بعيدة، وتحولت «المعرة» كلها إلى حركة عصيان ضد أسد الدولة صالح بن مرداس، فقدم إليها بجيشه، واعتقل 70 رجلاً من أعيانها، وضربها بالمنجنيق، فخرجتُ إليه شفيعاً لأهلي، ومتحدثاً باسم المعارضة في حوار مع بن مرداس، وأنشدته: «بعثت شفيعاً إلى صالح/ وذاك من القوم رأي فسد فيسمع مني سجع الحمام / وأسمع منه زئير الأسد».فأكرمني صالح وقال لي: بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منه زئير الأسد يا أبا العلاء، وفك الحصار عن البلدة ورحل. الحوار مجدٍ.. الحوار هو الحل، درويش يقتنع بآراء أصدقائه فهم شركاء في الإبداع، ثم يلقي السلام على دمشق، ويذهب إلى قبره في رام الله مطمئنا بأن أصدقاءه الشعراء رسل النضال والجمال، سوف يمحون كل آثار الدمار، سلام على درويش يوم يجيء، ويوم يرحل، ويوم يودع أصحابه في زحام المظاهرات والثورات.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
14°
17°
الأربعاء
17°
الخميس

استبيان

الافتتاحية