Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

مساء السبت..(2-2)

مساء السبت..(2-2)
ادب وثقافة - بقلم/ سلمى الجُميلي - 2:13 - 13/04/2016 - عدد القراء : 2166

عقارب الساعة اجتازت سماء التاسعة ولم يصل شيء..  تأكد من اتصال شبكة الانترنت فكانت جيدة..  لماذا التأخير..؟ سؤال خرج من بين شفتيه بصوت مسموع ..ثم مضت خمس دقائق أخرى .. وخمس أخرى .. وأخرى.. ولم يصل شيء.. تفحص الاتصال ثانيةً محاولاً إيجاد سببٍ حال دون وصول بريده .. لكن ما من سبب ..بدأ يشعر بالضيق وكأن طوقاً يُطبِق حول عنقه .. نصف ساعة ولا شيء سوى الصمت .ينظر لحالة المتصل وفيها آخر اتصال يشير إلى الموعد الماضي..!ساعتان ولا شيء غير الصمت.. تردد بالكتابة ثم جمع حروفاً من لغته وكتب رسالة تكونت من ثمان اسطر أو أكثر, تحمل فيضاً من المشاعر امتزجت بالسؤال والغضب واللهفة ..أعاد قراءتها مِراراً قبل إرسالها .. وقبل أن يضغط على (إرسال) غير رأيه ومسح ما كتبه !أحس بشيء من الغضب يعصف داخله, فرمى الجوال جانباً وقال باستياء وتعالي : هذا ما كان ينقصني.. أطارد خيالاً استجدي منه الحروف.. لست أنا من يفعل هذا .. ولم يُخلق من يفرض حكمه عليّ ..باطنه كان يحوي عكس ظاهره .. فكلما رن جواله تسارع نبض فؤاده ..كان يُكابر حتى مع نفسه مرتدياً ثوب البرود, إلا أن الغضب والتوتر لا يفارقانه.. إحساس غريب يجتاحه بمضي الأيام .. إحساس يجمع بين الشوق والخوف.. شوق لتلك الكلمات ، وخوفٌ من سبب غيابها ومن حقيقة هوية صاحبها.يقضي وقته يقرأ الرسائل التي رسخت بالوجدان كما الأنامل باليدان .. ولا شيء في البال سوى سؤال: أين أنت ؟كتب مراراً عن ما يحسه داخله , لكنه بكل مرة يقوم بمسح ما كتب قبل إرساله ، لا يعلم لِمَ لَم يُرسل ؟ أهو كبرياءٌ أحمق, أم عِناد أم ماذا؟يمضي الأسبوع وهو بين مدِ عواطفه وجزرها .. يكتب سطوراً .. ويمحوها .. جاء موعدٌ آخر ومضى دون جديد .. لم يفارق جواله وراح يقرأ كل بريده وثمة ألم لا يعرف سببه يقبع داخله .. يتنهد بعمق ويرمي به .. حاله تغير وبات عصبي المزاج لا يطيق أي كلمة, مُتخذاً من الصمتِ قوقعة له .. يقضي جل وقته في الطباعة حتى بالبيت, كي لا يسمح للهواجس بغزوهِ, إن رأت في مساحات لحظاته شيء من الفراغ .أسبوعه الثالث كان أسوء من سابقه
بركانٌ من الغضب يسكنه, ولا يعلم بأي وقت ينفجر, ولا على من .. ربما لو تجسد صاحب الكلمات أمامه لمزقه إربا دون أن يُشفي غليله ..فمن يتوقع أن تهز من كان عصي القلب كلمات مجهولة المصدر, وهو الجسور ذو القلب الجلد ؟بقدوم سبت جديد تعمد ترك جواله بعيداً عنه كي لا يضعف ويرقبه كل لحظة.. لكن أتراه حقاً سيصبر؟تظاهر بانشغاله في متابعة فلمٍ دون أن يفهم عن ماذا تدور أحداثه, كل حواسه مُتجهة صوب نغمة رنين هاتفه , فهو للان يأمل وصول بريده .بتمام التاسعة رن بريد الواتس مُعلناً وصول رسالةٍ جديدة ..كل جوارحه انتفضت لحظتها, لم يستطع مقاومة كبريائه فأسرع وفتح جهازه ليشرق اسم (كلمات دافئة)  يحمل زاجلها بيت من الشعر هو : أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصبرُ… أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟ما إن قرأها حتى سرى به نبع الحياة, وابتهجت أسارير أيامه, يضم الموبايل بين يديه ويتنفس بعمق.. جلس على أقرب مقعد له كأنه يرتاح من عناءِ درب طويل عثر .. ولأول مرة يقرر الرد ودون تردد مُختاراً بضع حروف, نسج منها كلمة واحدة ضمت كل ما بداخله من غيض وحنين .. وكتب : لماذا..؟ لحظات وجاءه الرد : لو كنتَ مُهتماً حقاً لسَألت ؟حاول أن يكون أكثر دهاءً ليتهرب من الإجابة فكتب بيت شعر يقول : فهل تشكر الأرض قطر المطر.. وتغضب إن لم يجدها الغَمام ؟أرسل رسالته وهو يُخفي ابتسامته منتظراً ما سيكون الرد ؟المُرسل ليس أقل ذكاء منه لكن الثقة العالية أغاظته فكتب له دون تفكير : شهورٌ طوال وصمتكَ هذا .. يُمزق جنبي مثل المدى
وبدون تردد كتب : ههههههههههه !
شعر صاحب الكلمات بالغباء, لان الضحكة حملت معاني اللذة ونشوة انتصار .. فهو أدرك انه تمكن من أغاضته كما يفعل هو به .. فاختار الصمت ولم يُرسل شيئاً .حين طال الصمت أرسل بيت شعرٍ: قولي .. انفعلي أو انفجري .. لا تقفي مثل المسمارجاءه الرد بتساؤل : لو لم أعد ماذا كنت ستفعل ؟؟ سؤالٌ لم يتوقع رسوه في شطآنه .. لكنه أحس بريح القلق تهب وتلمس فؤاده, بمجرد سماعه كلمة (إن لم أعد) ومن دون أن يشعر كتب : إياكِ أن تعيديها وتغيبي عني .كتب بصيغة أنثوية كأن حدسه أكد له ان المُرسل امرأة.ولأول مرة يخلع ثوب كبريائه, ويُخرج ما بأعماقه من دون قيد أو تردد .ابتسم المُرسل موقناً انه بات مُدمن كلماته وآسره كما فعل به.لم يُبدي ما يشعر به من نشوة انتصار, فالرجل لا يُحبون رؤية الهزيمة في عيون الآخرين وإن أحسوها داخلهم .. فأجتمعت الكلمات لتخُط ردٍ يُبعث الطمأنينة إليه: لا لن أعيدها .قرأ الكلمات بعينين تبرق أملا, ورأى أن رسم الحروف ما عاد يُجدي نفعاً, قرر أن ينهي فصلها, وضغط زر اتصال ..!! أتصل دون تفكير أو استئذان .. وكأنه مل الغموض واللعب من خلف الجدران .. لحظات من التوتر تجتاحه مع نغمة الرنين التي طالت .. أنتظر سماع صوت أدمنه بصمته .. لكن لم يحظى بمناله ..تعكر صفوه  وقبض على جواله بشيء من الغضب لعدم الرد عليه, ثم تنفس ليهدأ وكتب : ممكن ؟؟
وقبل أن يأتيه الرد أعاد الاتصال مرة أخرى .. ما هي إلا لحظات حتى أتاه صوت عذب ناعم أطفأ غضبه وأثار داخله فيض من الأحاسيس يعجز عن وصفها, ويجهل حتى إن كانت تسكن أعماقه .. تنهد بعمق وقال : آآآآآه يا أنت ِ.. حدسه كان صائبا بخصوص هوية المُرسل التي أجابته بصوت مرتعش, يحمل بحاراً من الشوق والحنين وقالت : ماذا ..؟لن أبدء بسؤالي عن أسمك, فما عاد يهمني تجمع بضع حروف لأنك فقتي كل الحدود ..كانت كلماته تنساب داخلها كما قطرات الندى, ويسري بها دفؤها الذي أنساها خشية اللقاء.وبالكاد تمكنت من قول : لا أعرف ماذا أقول فأنا….    قاطعها قبل أن تكمل كلامها وقال : لقد قلتي ما يكفي .. اليوم على عرش الصمت أجلسي ودعيني عنكِ أكمل ما أنت بدأته ..كلماته جعلتها تشعر بالخوف من أن يكون أوان ثورة بركان غضبه قد حان, وشعرت كأن الأرض سكنت و ما عادت تدور.. فقال لها بصوت أتعبته الأسفار ومحطات انتظار نصف عام .. صوت كاد أن يوقف قلبها حين قال : يا قاهرة العمر الغامضة ..أجابته وهي بالكاد تمكنت من جمع الكلمات التي نفرت من أرضها: ماذا ..؟
فقال بهمس حنون : أعطيني يديك ِ
كاد قلبها يخرج من بين ضلوعها وراح يخفق بشدة .. فأخذت نفساً عميقا, وكل ما بداخلها رفع لهمسه الراية وقالت له : خذها ..قال بصوت يُذيب الثلج : سأحتويها بين يدي وأضمها لفؤادي الذي أتعبتِهِ كثيرا, كي تشعري به وهو يطلب منك ويرتجيكِ ويقول :
أحبيني .. بلا عقد
وضيعي في خطوط يدي
أحبيني .. لأسبوع .. لأيام .. لساعات..
فلست أنا الذي يهتم بالأبد ..
أحبيني .. بعيدا عن بلاد القهر والكبتِ
بعيدا عن مدينتنا التي شبعت من الموتِ
ثم تنهد بأنفاسٍ كادت تُحرقها وأكمل :
فأنا رجلٌ بلا قدر .. هلّا رضيتِ أن تكوني قدري ..؟
وبالكاد تمكنت من لملمة أشتاتها التي تحطمت وتناثرت كشظايا الزجاج وأجابت : نعم أرضى .بعد أن ارتاح من عناء طول الرحلة, وشعر انه أخيراً تم إجلاء الضباب عن أيامه , طلب منها قائلاً : والآن أزيلي الستار لأعرف من تكونين ؟ ، ما اسمك؟ أين تسكنين ؟ اخبريني عن كل شيء .رغم ثقتها بذاتها إلا إنها أوجست في نفسها خيفةً من ردة فعله , لكنها قررت البوح بالحقيقة فما بغضت شيء أكثر من الكذب ..
وقالت له : أنا باردة المشاعر .
لم يفهم, فسألها التوضيح أكثر ؟
ضحكت وقالت : أنا هي باردة المشاعر .. الست أنت من كان يُلقبني بهذا الاسم ؟
احتاج للحظة سكون عصر بها ذاكرته .. ثم تذكرها ..أغمض عينيه وضرب على جبهته من الخجل, فلم يكن يتوقع أن تكون هي ..كأنها شعرت به وقالت لا تكن مُحرجا من ما كنت تقوله عني, فربما كنت على حق .
قال بسره : يا لغبائي ..
وقال لها مُتعثراً بالحروف : لا لا أنا لم أكن أقصد ….
قاطعته وهي تبتسم : لا تهتم فما كان مضى, ولكل مقامٍ مقال .
ثم أسرع بسؤالها : لا تقولي انك فعلتِ ما فعلتِ فقط ثأراً مني على هذا الكلام؟
ابتسمت وقالت : بصراحة .. قد أعجبتني شخصيتك الرزنة وذكائك لكن …
أكمل هو عنها : لكن ماذا  ؟ أكملي
ابتسمت بخجل وقالت : لكنك لم تكن مهتماً بي كالآخرين الذين يتركون عملهم وتتسمر عيونهم علي كلما دخلتُ مكتب الطباعة .. وربما هذا الذي جذبني إليك .بلحظة فُتحت نوافذ أحداث العام الماضي, تذكر كيف كانت تأتيهم بقوامها الممشوق, حاملة معها أعمالها الأدبية التي كان زميله متكفلاً بطباعتها .. كانت تجذب الكل من دون أن تنظر لأحد, وكأنها تسير فوق الغيوم لا على الأرض.. حتى انه كان يسخر منهم لاهتمامهم بها, وأطلق عليها اسم باردة المشاعر ..هز رأسه ضاحكاً من نفسه, فقد كان هو أيضا مهتماً بها, لكن كبريائه أبى الإفصاح وكتم الأمر بداخله.. بعدها بدأ فيض أسألته بكيف عرفت رقمه وهو لم يتعامل معها يوماً, فقالت : حين انتهى زميلك من طباعة المواد لي سألته عن أنواع الطابعات, وبأي نوع ينصحني لشرائها, فقال خِبرته ليست كبيرة بها وأرشدني إليك مُبيناً انك أكثرهم علماً بهذا المجال, وكونك لم تكن موجوداً وقتها أعطاني رقمك لأتصل بك إن احتجتك .. توعد صديقه بسره لأنه لم يخبره بالأمر .. ثم سألها عن شِعر القباني كيف علمت به يهواه ؟أخبرته أنها بإحدى المرات حيث كانت بمكتبهم دار حوار بينهم عن مستوى الأغاني بهذا الزمن وعن كلماتها وبأنه قال (كل الكلام ليس بالكلام عدا ما كتبه نزار) .فأبتسم قائلاً : صحيح .. وأعقبها بسؤالٍ آخر : وماذا عن إجازتي المرضية ؟ كيف علمتِ بالأمر وقد انقطعتِ عنا منذ زمن ؟قالت : لأني أصادفك بطريقي مرة أو مرتين كل أسبوع من دون أن تلاحظ, فمثلك طبعاً لا ينظر لمن حوله بل يسير ثابت الخُطى مخبئاً عيناه خلف عُتمة نظارته.. وحين مضت أربعة أيام دون أن ألمحك خشيت عليك , لذا ذهبت لمكتبكم بعذر مصطنع, وبطريقتي الخاصة علمت انك بإجازة مرضية .
أعجبه هذا الاهتمام وقال : آه لو كنتُ أعلم ….
لم يكمل, فسألته: تعلمُ ماذا ؟
قال : لو كنت اعلم لَما أضعتُ ما فات من العمر دونكِ .
كلماته بعثت دفئا سرى بأوصالها ولم تقوى على النطق .
ثم قال: ثمة سؤال لطالما حيرني
_ : وما هو ؟
_ : يوم السبت .. لماذا اخترتهِ دون الأيام ؟
_ : لأني أردتُ أن تبدأ أيام أسبوعكَ الجديدُ بي .
_ تساءل : فقط ؟ لم يكن اختياركِ له لسببٍ آخر ؟
_ : لا لا فقط كي تكون بداية أسبوعكَ بي أنا.
لم يشك بكلامها لأنه يعلم أنها بعيدة عن درب الكذب .لكن سَرَهُ أنها اختارت هذا اليوم عن غيره فكما كان بداية حياته كان أيضا بداية أيامه معها .بعدها ختم أسألته عن سبب غيابها لثلاثة أسابيع عنه ..قالت : بصراحة تعمدتُ ذلك, فقد أتعبتني بصمتٍ عقيم, ورأيتك كحجر الصوان الذي لا يؤثر به الطرق , لذا قررتُ البعد عنكَ ونسيانك .. كنتُ أصارع نفسي للثبات وان لا اكتب لك شيء وأن أكرهك وأنسى أمرك .. وما أغضبني أكثر انك لم تكلف نفسك وتسأل عن سبب غيابي .. لكني ..تنهدت ثم أكملت : لكني لم أقوى على الصراع المستمر, بين عقلي وقلبي الذي كانت له الغلبة, فأعطيتكَ فرصة أخيرة وأقسمتُ أنها بحقٍ ستكونُ الأخيرة إن لَم ترد .. وها أنتَ أجبتني وأعفيتني من القَسم .  أغمض عيناه وخيالها يرفرف أمامه كأجنحة فراشات الحقول, وقال: نعم كتبت .. كتبتُ بعد أن وعدت أن لا أوجه أي رسالة حبٍ إليكِ..ولكنني رغمَ أنفي … كتبت … وعدتكِ أن لا أحبكِ ….ثم أمامَ القرارِ الكبير جَبُنت ..فأنتِ البداية في كلِ شيء … ومسك ُالختام …وعدت بأشياءٍ أكبر مني … فماذا بنفسي فعَلت …لقد كنتُ أكذب من شِدةِ الصدق ..والحمدُ لله … أني كَذبت …

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
14°
32°
السبت
32°
أحد

استبيان

الافتتاحية