Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

وصِفُوا بـ «اللامنتمي» و«الرجل الصرصار»

وصِفُوا بـ «اللامنتمي» و«الرجل الصرصار»
ادب وثقافة - أحمد مجدي همام - 0:48 - 09/06/2016 - عدد القراء : 1822

كتاب وشعراء يفضلون العُزلة… على طريقة «الوحي حظ الوحيدين»

«أحياناً، أحتاج للخروج من المنزل، فقط من أجل الضوء الطبيعي الذي أفتقده هنا». هكذا يقول الكاتب المصري مصطفى ذكري، الذي لن نتمكن من وصفه بالروائي أو القاص أو السيناريست، لأنه في الحقيقة يكتب الأنواع الثلاثة. قال جملته المشار لها أعلاه، في أحد حواراته الصحافية، التي تحدّث فيها عن عزلته الاختيارية، في شقته الكائنة في حي حلوان أحد أعرق وأقدم أحياء القاهرة.ذكري ليس الوحيد من الفنانين عموماً والكتّاب تحديداً ممن اختاروا هذا النمط من حياة الظل والعزلة، هناك سلالات متعاقبة من الكتّاب الذين فضّلوا الخروج بعيداً عن الدوائر والمؤسسات الثقافية، بل الخروج من الكثير من النشاطات الاجتماعية، وفضّلوا أن يهبوا أوقاتهم وطاقاتهم كاملة لفنهم، فانحازوا للانعزال والوحدة، معتصمين ببيوتهم أو غرفهم أو منافيهم، وفي أحيان أخرى معتصمين بقلوبهم وضلوعهم. هؤلاء الذين فضّلوا المعادلة التي قال عنها محمود درويش، في قصيدته لاعب النرد: «الوحي حظ الوحيدين». بخلاف أن الكثير من الكتّاب التفتوا لتلك السلالة أو العائلة الفريدة والنادرة، التي تتوحّد ـ بشكل يشبه الرهبنة ـ مع فنّها، فتدير ظهرها للعالم، وتلتفت للكتابة فقط أو الفن، متناسين شروط الحياة وثقل حضور المؤسسات المجتمعية عليهم. كتب عنهم كولن ويلسون كتابه «اللامنتمي»، الذي يصف تلك النوعية من الفنانين المتوحّدين الذين يجدون صعوبة في التفاهم مع المجتمع وفقاً لشروط العصر الرأسمالي الراهن، وسماهم سارتر بالـ «غشّاشين»، وكتب عنهم فيودور دوستويفسكي روايته «في قبوي» التي ترجمت إلى العربية بعناوين متعددة (في سردابي – رسائل من أعماق الأرض – الإنسان الصرصار).العزلة هي واحدة من تجلّيات اللاانتماء إن صح التعبير، لأن هناك تجليّات أخرى يكاد أبناء هذه الفصيلة أن يشتركوا فيها، مثل الزهد في الإعلام والحوارات الصحافية والتلفزيونية، الكتابة بأسماء مستعارة، عدم الاهتمام بأمور مثل عملية النشر نفسها، أو التقدم للمسابقات والجوائز الأدبية.. وإلى جانب ذلك كله، على الأغلب، يكون الاكتئاب المزمن ضيفاً ثقيلاً طويل الإقامة عند مريدي العزلة. يتناثر أبناء سلالة (اللامنتمين) بشكل محدود في المشهد الأدبي العربي، منهم على سبيل المثال الروائي اللبناني ربيع جابر، فعلى الرغم من انخراطه في العمل الصحافي، إلا أنه يحتفظ لنفسه بحيز دافئ يمارس فيه عزلته، والروائي والشاعر السوري الكردي سليم بركات، الذي كتب بعض نصوصه في معتزله على أطراف إحدى غابات العاصمة السويدية ستوكهولم. أما في مصر، فقد قدّمت السنوات الأخيرة، مجموعة صغيرة جداً من هؤلاء اللامنتمين، منهم مصطفى ذكري، والشاعر عماد أبو صالح، الشاعرة نهى البُلُك، وشاعر العاميّة الشاب مصطفى إبراهيم.حاولنا اختراق عزلة هؤلاء الكتّاب، ومحاورتهم حول العزلة نفسها وتعريفها، واختيار التوحّد مع الفن، والمكاسب المرجوة من اختيار هذا النمط الحياتي.
مساحات مفتوحة للخيال
هل ما نسميه نحن عزلة يجده الكاتب كذلك؟ بمعنى هل يشعر أو يسمي الكاتب طريقة حياته ويوصفها بأنها عزلة؟ أم أنه لا يرى الأمر كما يراه المحيطون به؟ تجيب الشاعرة المصرية نهى البلك: «قد لا يشعر الكاتب بهذا أبدًا، إذا كان يمتلك طاقة تواصل مع البشر، طاقة محبة وتفهم وتعاطف، سيجد دائما هذه المساحة من القرب مع الآخرين.. وربما عزلة مكانية لا تحمل بداخلها إلا حوارا مستمرا مع الوجود والناس، كما أن الوجود الجسدي بين الجموع قد لا يحمل إلا انفصالًا حادًا مع المحيط.. التواصل، كالرؤية للحياة، كالشعور والإبداع، كلها طاقات عقلية ونفسية أكثر منها فيزيائية وسلوكية واضحة.. هنا تكون العزلة مجرد مساحة من السلام والأفق الأكثر براحا والخيال الذي يعمق رؤية الكاتب، ويؤكد تفاعله، على طريقته، مع البشر والحياة».تؤمن الشاعرة نهى البلك بأن الميل للعزلة أمر يرتبط بطبيعة الكاتب لا بقرار اختياري يتخذه: «ربما يختلف الأمر من كاتب لآخر، لكن في ظني أنها طبيعة.. تكوين الشخصية يميل إلى الوحدة أو الانعزال، الذي يختلف في حجمه ونوعه من كاتب لآخر أيضا؛ قد يبدأ هذا في سن صغيرة وقبل إدراكه لاهتماماته أو توجهه للكتابة من الأساس، وفي مرحلة ما سيكون على الكاتب أن يحدد اختياره وانحيازه بوضوح.. وبشكل عام فإن لحظة الكتابة نفسها قد تتطلب ممن لا يتخذ العزلة دربا وحيدا لذاته وللحياة، أن يمنحها نفسه مؤقتا حتى ينتهي من عمل ما، وهذا ما يفعله كثير من الكتاب.. وربما كان لهذا دلالة على أثر حالة العزلة والوحدة في وضوح الرؤية الإبداعية..». «امنح خيالك متسعاً ليتنفس». هذا، وفقاً للبلك، أحد مكاسب الجنوح للعزلة، تقول صاحبة «هرم أبيض من السكّر يسر الناظرين»: «في العزلة يحتفظ الكاتب بمساحة تخصه، تصبح هي نفسها جزءا من إبداعه أو منتجه، رؤية خاصة للحياة وللأحداث وللكون، صحيح أن كل كاتب بالضرورة يملك هذه الرؤية الخاصة، لكن العزلة تسمح ببقائها صافية بلا تشويش، وتسمح له بقوة إبصار مضاعفة.. الانخراط الشديد في الحياة الاجتماعية قد ينال من كل ذلك، بتفاصيل صغيرة ومشكلات وانشغالات لا تستحق قد تسحب الكاتب من عالمه البعيد إلى سطح صاخب مزدحم لا يفضي إلى معنى ولا يفسح براحًا للخيال».لكن، هل تؤثر العزلة، في رصيد الكاتب، من حيث التجربة الحياتية، وبالتالي تؤثر على منتجه الأدبي بالسلب؟ لا تتفق الشاعرة المصرية مع هذا الطرح: «التجربة الحياتية لا تعرف شكلا واحدا أو نسقا أو نمطا مفترضا يكون وجوده هو المانح لها وفقدانه سالبًا أو محدًا منها؛ حياة كل منا هي تجربته الخاصة والمميزة، التي لا يمكن لأي من كان أن يدركها عند الآخر.. تماما كالمعنى، كالشعور، شيء حي داخل العقل والنفس، هكذا يستقبل كل منا الحياة ويترجمها داخل ذاته ومن ثم في منتجه الإبداعي.. حياة الكاتب قد تكون صاخبة جدًا، ثم لا تنتج إلا غثاء، وقد تكون حدثا واحدا، كسقوط التفاحة، فتلهمه بحيوات وعوالم أخرى.. هذا ما يفعله عقل المبدع وتكوينه النفسي والوجداني».
أن تسمع صوت دماغك
حقق الشاعر الشاب مصطفى إبراهيم نجاحاً مذهلاً مع صدور ديوانه الأول «ويسترن يونيون.. فرع الهرم»، خاصة وقد تزامن مع أحداث ثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي حضر فيها إبراهيم كواحد من شباب ميدان التحرير، انتشرت قصائده في الميدان، وتحوّلت إلى أغان شدا بها العديد من المطربين مثل محمد محسن وأحمد مكّي.. إلا أن إبراهيم ومن دون مقدّمات، اختار العزلة، اعتكف في منزله في شارع فيصل، وجهّز غرفته بحيث تصبح صالحة للبقاء فيها لمدد طويلة، جلب بعض الزرع، والقطط لتنوب عن الطبيعة ربما، وصارت الإضاءة الخافتة مع صوت الموسيقى الصادرة من سماعات الكومبيوتر خلفية تلف المكان. تنازل إبراهيم طواعية عن كل الفرص التي أتيحت له بعد النجاح الكبير لديوانه الأول، او حتى مع تكرار النجاح في ديوانه الثاني «المانيفستو»، فتخلى عن فرص العمل الصحافي والكتابة لحساب كبريات الصحف المصرية، كما مزّق (الغرين كارد) الذي يخوّله السفر والإقامة في أمريكا، واختار أن يقبع في معتزله الحالي، في جبل المقطّم.يقول إبراهيم عن العزلة: «هي طبيعة لدى الشخص، لأنها لو كانت اختيارا، فإن من اختارها لن يتمكّن من المواصلة في هذا النمط»، ويضيف الشاعر الفائز بجائزة (أحمد فؤاد نجم) لشعر العامية: «من المفترض أن الإنسان كائن اجتماعي ويعيش مع الناس وما إلى هنالك، وبالتالي فالعزلة لا تمنح الإنسان أموراً مثل السلام والطاقة الإيجابية، من تجربتي، المنحة الحقيقية للعزلة، هي أنها تمكّنك من أن تسمع الصوت الغائر في رأسك، صوت عقلك، صوتك الشخصي، بمعزل عن الضجيج وأفكار الآخرين وأصواتهم. التمييز بين صوتك الأصلي وبين أصوات الآخرين التي علقت بك نتيجة الاختلاط بهم بمعدلات كبيرة، العزلة تجعلني قادراً على أن أسمع نفسي». العمل، واللقاءات اليومية أو الأسبوعية بالزملاء، لا تعني انتفاء العزلة وفقاً لإبراهيم: «لتلك العزلة أشكال، ربما يكون ذلك المعتزل مـــثلاً موظفاً في شركة يذهب يومياً للعمل ويتعامل مع زملائه ومع العابرين في الشوارع، إلا أنه منعزل عنهم، ويقيم منطقة حاجزة معهم، رغم أن حياته تبدو ظاهرياً ممتلئة، إلا أنه في حقيقته يعيش أحد أشكال العزلة. الواحد ممكن أن يكون معزولاً عن الحياة الحقيقة وهو واقف في قلب الشارع. والحقيقة، ربما يؤثر ذلك في الخبرات الحياتية وبالتالي في النتاج الأدبي».
الزهد والتفرّغ
رفض الشاعر المصري عماد أبو صالح (1967)، الإدلاء بمداخلة في هذه المادة الصحافية، مفضلاً اتباع عادته التي تبنّاها منذ عقد ونصف العقد، بعدم إجراء مداخلات صحافية. يكتفي فقط من حين لآخر بنشر مقالات عن الموسيقى أو شعر مترجم. اختار أبوصالح العزلة منذ سنوات، وزهد في الظهور الإعلامي، ثم اختار أن يصدر طبعات محدودة من كل ديوان جديد يكتبه، نسخا محدودة يهديها لأصدقائه ومحبيه. بينما يتهافت قرّاؤه على تداول نسخة وصلت بالصدفة إلى أيديهم، ويعيدون إنتاجها في شكل ملفات «بي دي إف» متاحة للجميع على شبكة الإنترنت.بالتوازي مع أبو صالح، يحضر الروائي والقاص مصطفى ذكري، الذي اختار العزلة في شقته في حلوان. يقول ذكري في حوار صحافي نشرته صحيفة «اليوم السابع» المصرية. عن عزوفه عن فكرة الانخراط في أي مؤسسة كمؤسسة الزواج أو العمل: «أنا أعتبر التفرغ للكتابة هو عربون محبة للمهنة، على طريقة الصوفيين، وأن مهنة الكـــتابة لا تقبــــل إلا بكَ كُلكَ، لكنها لا تقدم أي وعود، وأنا أقبل بهذا الشرط المجحف على سبيل القربان، وكأنني أريد للمهنة أن تشعر أمامي يوماً بذنب الجفاء».البرج العاجي، على حد وصف الرومانسيين، أو القبو وفقاً لدستويفسكي وأيضاً كافكا، يمنحان الكاتب إمكانية تحقيق امتيازات فنيـــة وجماليــة تخدم النص، هذا ما أكّد عليه ذكري في حواره المنشور في «اليوم السابع» 2009: «في الحالتين، حالة البرج، وحالة القبو، يتم للكاتب تحقيق الشرط الفني عبر الابتعاد عن سطح الأرض، سطح الواقع، وذلك بالارتفاع أو الانخفاض عن مستواه».

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
15°
18°
الخميس
16°
الجمعة
ShorjaShop

استبيان

ما رايكم في الموقع الجديد؟

الافتتاحية