Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

«عاشقة اللبن» تتوغل في حياة فتاة فرنسية تعتنق الإسلام

«عاشقة اللبن» تتوغل في حياة فتاة فرنسية تعتنق الإسلام
ادب وثقافة - 0:54 - 27/04/2016 - عدد القراء : 1817

القارئ لرواية «عاشقة اللبن» يجد فيها عناصر الجذب الماتعة، أحداث مشوقة تجعلك متابعا لمجرياتها بكل اهتمام، ذلك أن الكاتبة بنت أحداث الرواية وفق شخصيات تتقاطع وتتباعد مصالحها، مما يجعلك منخرطا في خضم الحدث، يشدك إليه الانتظار والفضول لمعرفة ما جرى وما يجري وما سيحدث بعد ذلك.الرواية متكاملة من حيث عناصر الجمالية بما في ذلك الأسلوب السلس الممتنع، ورسم الحدث كأنك تراه، واختيار الشخصيات بمواصفات تجعلها مثيرة حين تفعل، وحين تبحث للانتقام، أو للدفع بالآخر نحو سبل الخير والاستقامة، بل إن الإثارة تبدو من عنوان الرواية والعناوين الفرعية الخاصة بالفصول الموزعة للرواية وهي: هذه ليست كوابيس، انصهار، صراع الموت، صفاء توقيع على جدار القلب، صفاء والفخ المكين، أمجد يسجل هدف البطولة، على شفا الانهيار، كاترين تبوح بشجونها، طلب يزلزل الفؤاد، حدث كبير زلزال يهز البيت، يطول الانتظار، إحساس رهيب، حدث كبير، غريب أمري، خديجة تفقد صوابها، نقرات على جدار الروح، هروب، رعب قاتل، حالة انفجار، النبي محمد.. لا يزال حيا وجه نوراني أقدم، بابا ..أين هو الوحش؟، حتى لقاؤها، النهاية، ما بعد النهاية، رياح الفتنة… عناوين مغرية للقراءة والدخول في الأجواء التراجيدية المغرقة للشخصيات في أهوائها الروحية والمادية لينتصر الخير على الشر في الأخير، لكن بعد المعاناة الجاذبة نحو الماضي نحو المستقبل والآتي، معاناة خضم الأهواء والرغبات والثقافات الراسخة والمختلفة، التي ستصحح تباعا وفق الخط المرسوم للأحداث.وتبدو في الرواية أهمية الشخصية باعتبارها العنصر الرئيسي في تطوير الحدث وجلب التعاطف معه في ارتباط بهواجسها وطموحاتها، خاصة أن كل حدث وكل فعل من أفعال الشخصية تأتي منسجمة ومتساوقة مع مسار حياتها ونفسيتها داخل الرواية وســ«يظل السارد، مهما تعمق إبداعنا القصصي في العزف على تنويعات الحداثة هو البطل القائم بفن الحكي، إذ بدونه يفقد النص القصصي عموده الفقري، ويبدو كما لو كان مجموعة من البنى المهلهلة، فاقدة المذاق، حتى لو زادت في طرح البدائل الفنية الأخرى (العقدة والحوار وغيرهما) بكثافة اللغة وتركيزها، أو تحليقها في أجواء الصور والمجازات العالية، ذات المعاني والدلالات الموحية، فالحدث المتنامي موضوعيا وفنيا، يعلن عن نفسه بالاندغام في بنية سردية، يمتلكها القاص، من دون أن تفلت منه، سواء على مستوى السرد من الخارج أو السرد مع، أو السرد من الخلف. ذاك ما يلمسه القارئ لرواية «عاشقة اللبن»، حيث حرية الشخصيات في تصرفاتها وأقوالها بشكل ينفخ الحيوية في الحدث وتطوره وتقاطعه مع الأحداث المتجددة عبر نسيج الرواية. وقد زاد ذلك حيوية وتشويقا وتعقيدا تداخل السرد والحوار والوصف والتفكير والتأملات مما يفضي إلى سرد متنوع التداخلات والتشابكات والإيقاعات في التحولات المكانية والحوارية.. هذا المزيج المحكم الحبك، منح الرواية قوة القبض على القارئ مستطلعا مهتما ومتعاطفا مع الشخصيات متأملا في مصائرها. ولعل الرواية عكس الكثير من الأعمال المتعالية على اليومي والاجتماعي، تحاول أن تعالج قضايا إنسانية لها علاقة بخلفياتنا وتجاربنا ورصيدنا من التراث المغربي والإنساني عامة، والحال أن تشخيص اليومي والعادي المفترض متسم بتوسيع المسافة بين السارد والعالم المشخص، فالسارد يكف نهائيا عن التعليق المباشر أو عبر التبرير النفسي الأيديولوجي، وتنعدم تلك الوظائف التنبيهية التي توجه القارئ، ولئن أشار الكاتب إلى الطرق البديلة يعبر بها في الرواية عن مواقفه، فإننا لا نعثر في حقيقة الأمر على مقاطع سردية تعكس نفسية الراوي أو خواطره وانفعالاته، فهو يتعامل مع محيطه تعاملا حياديا يبدو أحيانا من خلال مجموعة من الأفعال القصيرة متلاحقة. لقد أفقد التشخيص العادي واليومي الرواية الحديثة تماسك السرد فيها، إذ امحت الحبكة أو كادت فلا نكاد نعثر على خيط سردي دقيق يربط بين الأفعال، وفقدت الشخصية ملامحها المميزة في كثير من الأحيان، وكذلك عمقها الاجتماعي والسياسي، وهيمن التكرار وأصبح تقنية أساسية في شعرية الخطاب الواقعي، وبذلك يؤدي هذا الضرب من التشخيص وظيفة تضيق في بعضها الآخر المستند إلى التاريخ، ففي مثل هذه الروايات يلتزم السارد بميثاقه الإرجاعي عندما يخرج التاريخ من الوهم. والحال إن «رواية عاشقة اللبن» يتميز فيها السرد بالتلاحق الدقيق في كل فصل من فصولها مما يحقق لذة المتابعة والانتظار لمجريات تتجدد عبر خيط سردي رابط بين الأحداث.القوة في الرواية تكمن في شخصياتها المتضاربة التوجهات والمصالح والخلفيات الثقافية والدينية، علاوة على حسن التوصيفات المتناسبة مع هذه الشخصيات من حيث ظاهرها ونفسياتها ومن الأفعال الصادرة منها، توصيفات دقيقة تحدد الملامح الاقتصادية والوجه الطبقي لهذه الشخصيات. وفي هذا المقال سنحاول التركيز على الخط التطوري لـ»كاترين» باعتبارها البطلة الفارضة لنفسها بهواجسها ومتاعبها وثقافتها وكراهيتها لأبويها.. فهي الفتاة الفرنسية المفعمة بالاختلاجات والانفعالات والترددات والتوجسات، وهي المخترقة بأفعالها المتأرجحة بين الخير والشر، بين الإحسان والانتقام، بين الصدق والكذب نسيج الأحداث فطبعتها بطابع تراجيدي انتهى بها إلى الاطمئنان والاقتناع بالصالح والأصلح من التصرفات والانتماء… إنها كاترين المعشوقة من قبل أحمد، الذي يحبها ويغمرها بنظرات الامتنان، بل يعتبرها زوجة المستقبل، وهي بدورها تبادله العشق والإعجاب، فهو بالنسبة إليها الشمس والنور، لذا اهتمت وسهرت، وبكل عناية بغية إشفائه… من أجله تحملت الأسوار الجهنمية التي تحيطه بها أمه خديجة فهي تعاتبها وتؤاخذها على دينها، في الوقت الذي تريد أن تعيش حرة مع أحمد الذي يشاطرها في ذلك، حين يقول لها «أعاهدك أن يكون ديني هو دين الشيطان المولع بك… ديني هو دين البحر والموج والهواء الذي جلبك إلى غاري..».إنها تعيش تمزقات تجددت حدتها عبر مسار الأحداث في الرواية، فهي المصدومة بأقوال خديجة المعاتبة لها مرارا على عقيدتها غير الإسلامية «أمس طلبتُ منها أن تصلي وتسجد لله الواحد الأحد وقلت لها إنها إن لم تفعل ستلقى في النار، كما ألقي الخبز في التنور»، علاوة على صراعها وتنافسها معها في التقرب وإرضاء أحمد، ينقض عليها التفكير في والديها، مما حدا بها إلى زياتهما رغم كره معاشرتهما وبالخصوص أمها.. على أن خديجة في أعماقها تكن لكاترين تقديرا واحتراما وتتوسم فيها الخير والاهتداء إلى الحق الكامن في عقيدتها، وهي المساعدة لها ولزوجها البشير وابنهما الوحيد أحمد «كاترين ليست زائرة عادية أعادت الحياة إلى بيتي وإلى قلبي الذي كان مفجوعا باختفاء ابني…أعادته إلى حضني وسهرت على علاجه حتى شفي… لو ظللت عمري كله أحسن إلى كاترين ما استطعت أن أرد لها جزءا يسيرا من معروفها الجم لكن هل يعقل ان يموت أبوها وأمها في آن؟». إلا أن كاترين تعيش نفاقا داخليا، فرغم إحسانها إلى خديجة وأسرتها، فقد كذبت عليها حين ادعت موت أبويها، كذبة زادت من احتدام الضيق والتوجس في قلبها خوفا من افتضاح أمرها، ورغم شك خديجة في الأمر فقد استحضرت مسؤوليتها عليها باعتبارها يتيمة، والإسلام أوصانا باليتيم احتراما وإحسانا. «…أعرف إن علمت طونت خديجة بكذبتي لن تنظر في وجهي بعد اليوم … من اليوم فصاعدا هما ميتان… أمي قتلتها بإرادتي وأبي قتلته أمي مرات بدل مرة واحدة… أنا لم أكذب أمي وأبي في حكم الميتين بالنسبة لي… كاترين تقول لها أمها أنت صبية جميلة مكانك ليس هنا… تسحب عقب السيجارة من يدي وتدوسه بقدمها وتناولني كوب اللبن إشربي اللبن يا كاترين إشربي كثيرا منه إشربيه على الريق وفي منتصف النهار وقبل النوم… من كثرة شربي اللبن حلمت الليلة بأنني حمامة بيضاء يقودني سرب من الحمام إلى سحابة بيضاء كبيرة لم تكن تلك الحمائم تطير كانت قارة في مكانها تصفق بأجنحتها وتهدل بصوت عذب… تستحثني على الإسراع للالتحاق بها وندخل معا تلك السحابة البيضاء الكبيرة… قطعت مسافة إليها .. أظنني دخلتها.. لا أدري ماذا حدث في ما بعد ..رغم الراحة التي أشعر بها إلا أني خائفة يا طونت خائفة أن أموت..». ولصدق خديجة العقدي والإيماني، فهي حريصة على جذب كاترين إلى عقيدتها، وهي في ذلك تبدو متحملة للدعوة إلى دين الإسلام، وكاترين بدورها تحاول إرضاءها بصعوبة، لأن ذلك سيفتح أمامها مزيدا من التقرب إليها وإلى عشيقها أحمد. وشيئا فشيئا ستكشف كاترين حقيقة تدين خديجة «طونت» التي بأقوالها وتصرفاتها تصحح عقيدتها «استغفري ربك يا كاترين لا صك في الحج ولا بيع ولا شراء وإنما شعائر نؤديها بقلوب صافية ونفسية طيبة كما شرعها ربنا وبينها نبيه سيدنا محمد، أي إخلال بشروطه ستكون مجرد زيارة عادية للأراضي المقدسة…». ومعايشة كاترين لهذه الأسرة سيجعلها تلميذة تكتشف أمورا وتجذبها أمور مما يساعد في تشويقية الحدث في الرواية، ففي فصل «غريب أمري» تصير العاشقة والمحبة للسي البشير أب أحمد، إنها الرغبة التي فاجأتها وصارت تطرح الكثير من التساؤلات على نفسيتها الوثابة بين رغبة وأخرى، «شيء ما بداخلي يشدني إلى بيت السي البشير.. بل إلى السي البشير نفسه… شعور ممزوج بالفرح والخوف يتملكني ولم أستبن حقيقته جيدا.. كل ما أدريه أن تفكيري منشغل بالسي البشير، كأنه الوحيد في هذا العالم». تساؤلات وشجون تنطرح في أعماقها مما يعذبها ويجعلها تعيش عذابا يتضاعف بين اليوم والآخر «أي حياة هذه التي أعيشها، أسوق السعادة لكل الناس حولي ولا أدري كيف أسعد نفسي وأعيش مرتاحة؟… ما هذا الجنون الذي أصابك يا كاترين؟، أي مشاعر هذه التي تملأ قلبك، يا خديجة، ناحيته حتى تحبيه أكثر مما تحبين نفسك؟ وأي إنسان جميل يسكنك؟». لكن العلاقة بينها وبين أحمد ستعود إلى مجاريها قبل أن تهم بالهروب، وتنجح في ذلك لتصادف مسيرة عارمة وكان سرها نصرة محمد صلى الله عليه وسلم المساء إليه. «تنهدت حينما تكشف لي سر هذه الأمواج البشرية التي تملا شوارع الناضور والعالم أيضا.. لم يسلم منها حتى العالم الافتراضي، يزلزلني الخبر في الصميم. إنها حرب صليبية جديدة ستندلع بسبب هذا الفيلم الذي لم أر أسخف منه في حياتي». كل ذلك أثار في نفسها مزيدا من التساؤلات التي تقحمها في دوامة من العذاب والضيق و الضجر، مما دفع بها إلى إعادة النظر في كل التيارات الساعية لإسعاد الإنسان بجعله يعيش في عالم مفعم بالعدل والمساواة والأخوة. «ليتني فتحت عيني على كل التيارات التي وجدت لسعادة الإنسان سماوية كانت أو وضعية لاخترت الأنسب لكيمياء شخصيتي، ولتمكن كل واحد منا اختيار طريق سعادته بنفسه».

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
26°
40°
السبت
40°
أحد

استبيان

الافتتاحية