Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

مكونات السرد في قصص المصرية فاطمة وهيدي

مكونات السرد في قصص المصرية فاطمة وهيدي
ادب وثقافة - مسلك ميمون - 0:10 - 29/05/2016 - عدد القراء : 1631

من قاصات الجيل الجديد في مصر، فاطمة وهيدي، ظهرت منشوراتها منذ سنة 2011 وذلك بمجموعتها النثرية «تقاسيم على وتر الشّوق» و«لا عزاء للحلم» مجموعــة قصصية، و«نبضات» شذرات نثرية و«ثلوج سوداء» مجموعة قصصية قصيرة جداً، و«شذرات عتّقها الهوى» شذرات نثرية، وأخيراً «ما لن تقوله شهرزاد» مجموعة قصصية قصيرة جداً.
ــ العنوان
من حيث سيميائية العنونة فإنّ العنوان، أو النّص الموازي، «ما لن تقوله شهرزاد» حمّال لمعان وقراءات ودلالات.. لا شك أنّ شهرزاد الأسطورة، قـالت لشهريار أشياء كثيرة، حتّى كأنّها قالت كلّ شيء وما أبقت. ولكن العنوان يأتي نفياً لذلك، فقد سكتت شهرزاد عن أشياء كثيرة، لتقولها شهرزاد الحال والاستقبال، التي تمتدّ في الزّمان، مخترقة الماضي والحاضر، ومشرئبة إلى الآتي، ما يفيد رمزيتها الأنثوية، التي كانت ومازالت، تغيّر من سماتها بسبب الفعل والمَقصدية.. لقد أمعنت شهرزاد التّراث في الحكي، فأفاضت وأسهبت، وسردت فأمتعت.بينما شهرزاد فاطمة وهيدي، تفضي ببعض الحقائق المغيبة، والحالات المضمرة، وإن أجبرت أن تكفّ عن بعض الكلام المباح، لتمارس التّجاهل القَصري، وتتعاطى للمسكوت عنه. ولعلّ هذا ما يثيره عنوان المجموعة دلالياً وفنياً.. ولقد عبّرت عن ذلك القاصّة في هامش من غلاف المجموعة: «رغم طيبة الجدّة (مصنع الحكايات) إلا أنّها لم تقل كلّ الحقائـق أدركت شهرزاد الصّباح، واكتشفت ما أخفته الجدّة فقرّرت البَوح، حينما أصبحت شهرزاد جدّة لم تعد قادرة على البوح بكلّ شيء، هنا سأخبركم بما لن تقوله شهرزاد».
ــ الحكي
القصّة القصيرة جداً عند فاطمة وهيدي، لا تنفصم عن الحكي إلا لتعود إليه، وتلك ميــزة السّرد الفنّي، التي يحاول البعض التّخلي عنها بدعوى التّجريب والتّجديد تارة، والحداثــة تارة أخرى. وهذا اختيار غير مسؤول يبعد النّمط القصصي عن أصله، ويفقده أهمّ خاصية تميزه عن غيره، ففي نصوص المجموعة يشعُّ الحكي بعيداً عن المباشرة والتّقريرية، قريباً من الهمس والتّلميح، والإشارة والتّلويح ..كالذي نجده في النّص الأول «شفافية»: «كان كلّما رآها، يمعن النظر، ويبتسم، كان يسكنها، كان يراها لوح زجاج، وكانت مؤمنة بأنّها مرآة». نلاحظ تكرار الفعل الماضي الناقص (كان) أربع مرات، لتجذيــر رغبة الحكي بصيغة الماضي المألوفة، وحتّى في حالة الاستغناء عن (كان) فإنَّ الحكي متضمن فـي النص بشكلٍ عضوي، يحدّد وظيفته التّكوينية، إذ لا ينفصم عن النّص، ولا يخلو منه، كما هو في التّالي بعد الحذف: «كلّما رآها، يمعن النّظر ويبتسم يسكنها يراها لوح زجاج، فآمنت بأنّها مرآة».
ــ السخرية
تلك إشراقة فنّية معبرة، لا تتأتى دائماً، ولكن إذا تأتت وجاءت عفوية من خلال السّياق القصصي، خالية من كلّ تكلّف أو تصنّع، كانت رائقة ومفيدة، وتخدم فكرة النّص، وتغنيها وتعمّق الإدراك بها، وتشعّ في نفس المتلقي وعياً ذاتياً قد لا ينحصر في تخوم النّص، بل قد يجنح بخياله بعيداً نحو رؤى وأفكار ربّما لم يفكر فيها القاص نفسه.. وروح الّدعابة والسّخرية بدأت من الغلاف، إذ عُرّف الكتابُ بأنّه: «قصص كسيرة جداً، بدل، قصص قصيرة جداً» ولنتأمل ملامح السّخرية والتّهكم، في نص «عبث»، حيث عبثية الفكر المتحجر،الذي لا يستأنس إلا بالتناقض السّلبي، واللاواقعية، والتّضاد والعدمية: «احترف إعادة تلوين ابتسامته، وهو يروي حكايته عن يده اليمنى التي سبقته إلى الجنّة، فيما كانت يده اليسرى تقتنص لمسات من فاكهتهن المحرمة».وتتكرر ملامح الباروديا في نصوص أخرى بنسق مختلف كما هو في: «غيرة» و«عاطل» و«سابع جد» و«سقوط «.
ــ القفلة
لعلّ من الخصائص البارزة في بناء القصّة القصيرة جداً، خاصية القُفلة، وهي الجملة الأخيرة في النّص، التي تأتي مفاجئة، أو صادمة.. وقد لا تخطر على بال القارئ أثناء القراءة كنتيجة حتمية يفرضها السّياق في تواليه وتتابعه، بل أجودها وأعمقها دلالة وفنّية ما تُخالف السّياق وإن كانت منه وإليه. كالذي نجده في نص «شاهد»، «طلب المعلم من تلاميذه كتابة موضوع عن «البر بالوالدين» كتب أحدهم: «أجلس إليهما.. أبكي, أجثو أمامهما طويلا.. ألوذ بهما.. أحدثهما.. ولكنهما حجر أصم. وبّخه المعلم أمام زملائه، فبكى متمتماً: «كنت أصف شاهدي قبريهما».فالسّياق، والحكي يوحي بأنّ الأمر يتعلّق بالوالدين، ولكن ما قصده الطفل كان أمراً مختلفاً، يتعلق بشاهدي قبري والديه، ومع ذلك فالمتلقي اللّبيب قد يحترس بعض الاحتراس إذا لم يُهمل العنوان: «شاهد»، ولكن رغم الاحتراس، فالشاهد قد يعني: شاهد القبر، وقد يعني شاهداً على واقعة ما.. وبذلك تلعب القفلة دورها الفنّي، في بثّ الدّهشة والغَرابة، في معظم نصوص المجموعة.
ــ التناص
التّناص في هذه المجموعة، متوفر، وانطلاقاً من العنوان، عِلماً بأنّ التّناص تداخل عفوي نتيجة المثاقفة، أو التّعددية الثّقافية أو قَصدي، رغبةً في الاستفادة وإغناء الإنتاج الجديد، تقول جوليا كريستيفا: «النص ترحال للنصوص وتداخل نص في فضاء نص معين تتقاطع وتتنافي ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى»، كالذي نجده في نص «احتجاب» وما يتعلّق بقصّة يوسف عليه السّلام وإلقائه في الجبّ من طرف إخوته: «كان مؤمناً بانتهاء زمن النبوة، حينما ألقوه في الجب، تشبّث بالبقاء فيه، كي لا يعود إلى الذئاب». ومن ذلك نصوص في المجموعة مثل: «خجل» و«الموؤدة».
ــ المفارقة
المفارقة وهي مصطلح غربي، دخيل على الاصطلاح العربي. وقد لا يهمّنا ما أثير حوله من جدل منطقي وابستمولوجي، ولكن نحدّده قصد التّقريب لا التّحديد: «بالفكرة المناقضة لمجموع الأفكار الموحدة» أو «رَأْي مُخالِف الرَّأْي الشَّائع أو رَأْي الإِجماع»، أو بإيجــاز: «تناقض ظاهري» والمسألة متداولة في الشّعر والنّثر معاً، وفي ذلك دراسات وأبحاث مختلفة.. ولقد اعتمدت القاصّة فاطمة وهيدي هذه الخاصية، التي أصبحت رائجة في القصّة القصيرة جداً، على اختلاف طرائق التّوظيف، وأساليب المعالجة، والغاية والمقصدية مــن ذلك.. ولعلّ نص «غيث» يجسّد ذلك بوضوح وفنّية: «نظرت إلى سقف غرفتها المتهالك، لم يعد يزعجها صوته المتهدّج كلّما أزّت الرّيح، فقط .. تواصل دعاءها لئلا يستجيب الله لقومها الذين يقيمون صلاة الاستسقاء». وتلك هي المفارقة، بين من يطلب الغيث لحاجة إليه، ومن يطلب عدم الاستجابة خوفاً من مآله وضياع ممتلكاته.. وفي المجموعة نصوص أخرى اعتمدت أسلوب المفارقة. مثل: «فراق»،«لقاء»، و«أصل وصورة».
ــ قصص متناهية القصر
ونعني بها نصوصاً متناهية في القصر، بحكم مبدأ الإيجاز، والحذف، والإضمار، و التّكثيف اللّغوي.. والأمر ليس مستجداً، بل عرفته القصّة القصيرة جداً منذ بواكيرها الأولى، وأشهرها نص إرنست هيمنغواي، كما ظهر ذلك في الأدب الإنكليزي، ما يُعرف بقصة ست كلمات (ولقد حاولت القاصّة فاطمة وهيدي الكتابة في هذا الإطار، وهي تجربة ليست بالهينة، وقد وُفقت في ذلك، من خلال إمكانات فنّية سَردية، هي أقلّ ما يُمكن أن توظفه من ألفاظ للتّعبير عن أكبر ما يمكن أن يفقده الإنسان «العِرض» ونجـد ذلك في نص «الشّرف»، «تعاظمت الأشواق في عينيه، حينما همّ بقطف زهرتها، توحشت أشواكها».في نص موجز من عشر كلمات، قيل كلام كثير، من دون أن يُقال، وفُسح المجال رحباً للتّخييل والخيال، وفي ذلك تتجسّد معالم وفلسفة القصّة القصيرة جـداً.
ــ الرمـز
وإن لم يكن الرّمز، يُوشّي أغلب النّصوص، فقد جاء في بعضها في صورته اللّغوية والبلاغية، وهو أنجع أنواع الرّمز، لأنّه يملك مفاتح تأويله، على عكس الرّمز التّاريخي والأسطوري، والتّراثي..الذي يستوجب ثقافة موسوعية، لا تتسنى للجميع، الشيء الذي يجعل النّص نخبوياً بامتياز.. وبعيداً عن ذلك آثرت القاصّة فاطمة وهيدي، حسن التّواصل مع المتلقي، بفنّية قصصية، بدل الارتماء في أحضان الغموض والتّجريد، الذي يجهد العقل، ولا يضمن إدراك الخطاب المراد إيصاله، ولا بالتّالي تحقيق التّفاعل المرتجى.. لنتأمل نص «تفاصيل»، «انفرد بها، ضمها بلهفة، غابا للحظات في قبلة عميقة، اشتعلت، تأجّج وهجها، فدفــن تفاصيلها في صدره».الكلام كلّ الكلام يلفه الرّمز، فيسود الاعتقاد أنّ السّارد يتحدث عن عاشقين في لقاء حميمي، والأمر كذلك، غير أنّ العاشقين مختلفين، ليسا رجلا وامرأة.. بل رجلا وسيجارة. ومن النصوص الرمزية أيضاً «انشطار» و«زواج»، و«بعض الطين».
ــ التّبئيــر
والمراد بذلك جعل العنصر أو المكون بؤرة في الكلام وهو بذلك تقنية مستخدمة لحكي القصة المتخيلة، وتحديد لموقع الرّاوي من عملية القص، وعلاقته بالشّخصية الحكائية. وقد كانت القاصة فاطمة وهيدي في جميع النّصوص محافظة على التّركيز، من دون شطط، أو تشعّب، أو تداخل موضوعاتي.. وهذا ما تتغياه تقنية الكتابة القصصية القصيرة جداً، فحجمها المتناهي في القِصر، وعدد جملها بله كلماتها القليلة.. كلّ ذلك لا يسمح إلا بالتّركيز والإيجاز.. وقـد تُغني ضُروب الرّمز، والأيقونات، والإشارات الوامضة، والعلامات اللّسانية/السيميائية، والتّكثيف اللّغوي، والصّور البلاغية.. في أن تختصر كلاماً كثيراً.. فيكون الكلّ مساهماً في تشكّــل بـؤرة موحدة، كالذي نلاحظه على سبيل المثال لا الحصر، في نص «انشطار»، «راح يتغزل في عينيها الدّريتين، ولم يتنبه إلى أنّهما تدوران في مَجرة أخرى».
ــ لغة السّرد:
لغة السّرد في القصّة القصيرة جداً، تختلف بنية وتركيباً عن غيرها من اللّغات السّردية: كلغة القصّة الٌقصيرة، والرّواية، والحكاية والمقامة، والرّسالة، والخطاب .. حتى كأنّ كلّ جنس، ينفرد بخصائص لغته التي تميّزه. فاللّغة القصصية في مجموعة «ما لن تقوله شهرزاد» تستجيب عموماً لمتطلبات لغة القصّة القصيرة جداً، من حيث التّكثيف، واعتماد الحذف والإضمار والتّقليل من الرّوابط لدرجة إهمالها كما هو في نص «دوامة»، إذ لا نجد إلا رابطاً واحداً هو(الفاء)، أو نص «وهم» الذي يخلو من الرّوابط كلّياً: «ركض في ظلّ أحلامه اللاواقعية، قبل أن يدرك انفراط عقد أيامه، تعثر بصره في خطوط جبينه، توسل إلى الزمن ليعود، عاجله أحدهم بطلب ترديد الشّهادة».نلاحظ تعاقب الجمل الفعلية القصيرة، ذات المعنى الإيحائي، وتراتبية شبه جملة من الجار والمجرور، والمضاف والمضاف إليه، والتّركيز على لغة المجاز، والاستعارة المكنية، لرسم حالة ناطقة، لا، الإدلاء بمعني لفظي، تجانساً وملاءمة مع النّص الموازي/العنوان: (وَهم). هذا فضلا عن التّناص والاقتباس، الذي نجده في أكثر من نص من هذه المجموعة، ما يدلّ على تعدّد أساليب السّرد، وتنوعها.. إبعاداً للملل، ورغبةً في تحقيق متعة قِرائية، وفائدة دلالية، وإشراقة تَوعَوية.. في إطار قصصي مُتجانس. إنّ مكونات، وملامح الكتابة القصصية القصيرة جداً، متوفرة في مجموعة «ما لن تقوله شهرزاد»، ما جعلها رغـم صغر حجمها، وقصر نصوصهـا.. تشكّل عملا فنياً إبداعياً لافتاً. ينبــــّئ بخطــوات ثابتة لقاصّة واعدة، تَعِدُ بالشّيء الكثير والمتميّز. لقد أدركت فـنّ الكتابة عن مَوهبة وتَبصّر، وأبحرت في مكونات التّخييل، ومسارات اللّغة، وفنــون التّعبير بُغية بناء نصٍ قصصي حداثي، بعناصر تَكوينه، وتَنـوع تَركيبه وبِنائه.. وآلية تَصوّره وتَأثيره.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
14°
18°
الخميس
16°
الجمعة
ShorjaShop

استبيان

ما رايكم في الموقع الجديد؟

الافتتاحية