تعددت المؤلفات الرياضية التي تسعى لترفد المكتبة الرياضية المحلية بكتب تحتاجها، وكان آخر اصدار قرأته هو كتاب الزميل هشام السلمان، الرابع، الذي كرّسه لقامة رياضية عراقية وعربية واسيوية ودولية هو الاستاذ مؤيد البدري، وقد وسم الزميل السلمان مؤلفه الجديد بـ (مؤيد البدري ماركة الرياضة العراقية).
من يقرأ الكتاب سيتلمس الجهد المبذول في جمع تفصيلاته، وصوره، ووثائقه، ويعي المكانة العميقة التي تليق بالبدري، في قلب الكاتب، او الاصحاب او، عموم العراقيين، وهي غاية الكتاب التي حققها المؤلف باحتراف مؤرخ لا مؤلف.
محاولة السلمان هذه، مثل سابقاتها ابحرت في التوثيق والارشفة التاريخيين اكثر من محاكاة ابعاد الشخصية المكتوب عنها، فالرجل كان أرّخ للصحافة الرياضية العراقية، مثلما أرّخ للكرة العراقية بمجملها، قبل ان يؤرخ رحلة بابا الكرة بمؤلف منفرد، وقد اخذ توثيق الحدث والصورة مأخذاً كبيراً من حجم مؤلفات السلمان على حساب البحث والتحقيق اللذين يمكن ان يجترحهما كاتب مثله.
القارئ الحذق سيخالجه شعور بأختزال البدري ببرنامجه المعروف (الرياضة في اسبوع)، حتى لكأن البدري كلّه، ليس غير البرنامج الموقوف عن العمل منذ نحو ربع قرن الا قليلا، وفاته ان يسائل نفسه..ماذا يمكن ان نكتب عن البدري بعد تجريده من البرنامج؟ وهل خبا نجم البدري بعد 23 عاما من ايقاف برنامجه !؟ الجواب قطعا كلا.
الأقتراب من البدري اراه كمن يقترب من نار إبداع تسطع على علم، فلئن إستضاء المقترب ببريق نورها، وتدفأ بحرارة ابداعها، أغرته بمدّ اليد نحوها، لكنها ستلفحه بأكتواء أكيد ان لم يحذر كيف يسبر أغوارها، ولا اغالي اذا ما قلت ان توثيق عن الكرة العراقية بارقامها ونتائجها وشخوصها، او توثيق الاصدارات في الاعلام الرياضي العراقي، او الكتابة في سيرة (بابا) بتجربته الكروية، لهو ايسر، بكثير، من التصدي للحديث عن شخصية تنوعت بحور ابداعتها كما هو الحال عند البدري، لانه الرجل غدا نجماً عراقياً شعبياً، يعرفه الكرويون والرياضيون وكل العراقيين، حتى ممن لاعلاقة لهم بالكرة والرياضة غير البدري.
إنه تجربة رياضية واكاديمية وتربوية واعلامية (وصحفية) وتعليقية وادارية وكروية واولمبية ناجحة، وقد خاض كل تلك المخاضات،وتألق فيها كلها، فضلاً عن التحكيم القصير، والتدريب بأطار أضيق، وممارسة رياضات اخرى غير الكرة، وبعد كل تلك العناوين، المتباعدة المتقاربة، كان لزاماً على من يقترب من البدري ان يلمّ بكل احداث رحلته التي امتدت اكثر من سبعين عاما مضت في بحر ابداعات شتى.
المكتوب عن (الرياضة في اسبوع) كان اكثر من المكتوب عن البدري نفسه، فظهر الكتاب كما لو انه عن برنامج تلفزيوني، وليس عن البدري نفسه، وهو امر كنت اتمنى ان لايقع فيه الزميل المؤلف، او من انتدبهم للحديث عن الرجل بين طيّات كتابه، لان (البدري) ليس (الرياضة في اسبوع) فقط، إنه رحلة إبداع أكبر من ذلك بكثير، لكن البرنامج كان حقق رواجاً مضطرداً له، تحالفت فيه ظروف عدّة، فسنواته الثلاثين كانت في عهد التلفزة البدائية، وكانت أخبار شتات الدنيا تتجمع عند المشاهد في بحر ساعة واحدة، والأهم في الأمر ان البدري لم يفشل بأي منحى سلكه، فكيف يمكن ان لا ينجح تلفزيونياً وله من الوسامة والصوت والهدوء والثقافة العامة، والخاصة، ما يمكّنه من الألق، فكان كما لـ (كامل الدباغ) بريادة الخبر العلمي وتقديمه مساء كل اربعاء، ومثلما كان لغرائب (امل المدرس) دقائقها العشر التي ينتظرها الناس صباح كل جمعة، وسوى ذلك مما لنضال فاضل في السينما والناس، او حتى لنسرين جورج في سينما الصغار.
لقد اوغل المؤلف في الحديث عن البرنامج حتى انسانا، لهنيهة، البدري نفسه! فمرّ على المخرجين، والمصورين، والمستضافين، والمذيعين، الذين زاملوا البدري بل حتى المخرجين الخافرين ! ولكم كان أجدى لو ان الاستاذ السلمان سبر غور شيئ من الرحلة الاكاديمية لتدريس البدري طلاب التربية الرياضية، او الحديث عن عمله الاداري الناجح في اتحاد الكرة، واللجنة الأولمبية، مع استقاء نماذج لنجاحاته، وهي كثيرة، اشار اليها المؤلف تلميحاً موجزاً سريعاً، لا تحقيقياً مسهباً مفترضاً يحتاجه وسطنا الكروي والاولمبي اليوم اكثر من اسماء المخرجين الخافرين !
كنا نأمل لو ان المؤلف تحدث عن الحيف الذي لحق بالبدري، وبرنامجه، في حقبة تسلط عدي على المفاصل الرياضية والاعلامية، ولئن كان السلمان سيبرر هذا التحفّظ والاخفاء العمد بحياء البدري، وسلوكه الشخصي المسالم، فحريّ بمن يوثق التأريخ ان يكتبه كما حدث فعلاً، لا كما يريد ابطاله.
ومما يجدر تأشيره عن الكتاب ان يناقض المؤلف اطروحته بنفسه، فحين يكيل العتب لحكومة اليوم لانها لاتحترم مبدعيها أحياءً قبل رحيلهم، كان أن اشار الى زيارات ومراسلات موثقة، بالمخطوط والصورة، في صفحات الكتاب وكيف ان رئيس مجلس النواب، ووزير الشباب، ومحافظ بغداد، وسواهم، دعوا البدري لعودة مكرمة مشرفة، وإحاطة يمكن ان تعيد له شيئا من سعادة غمرته قبل هجرته ذات الـ 23 عاما، مثلما كنت تمنيت ان يمر على دعوات قدمها الوزير السابق جاسم محمد جعفر، فكل ذلك يؤكد الاهتمام والرعاية اللتين يستحقهما، وحظي بهما مبدع عراقي كبير كالبدري.
لقد ركن المسؤولون (الكتاب) من دون اهتمام كان يجب ان يتوائم مع دعواتهم، بافتراض ان تلزمهم موضوعته السامية، ذلك لان البدري علامة فارقة في صميم الأبداع العراقي، وبدر ساطع في سماء الوطن، وكان له من ثيم النجاح ما امتدّ من عهدي الأخوين عارف الى العهد (العبثي) بشقي البكر وصدام، ولم يخبو عطاؤه او ينفذ، فشخصيته المسالمة المتوازنة، ودماثة خلقه، وخزينه المعرفي واللغوي جعلاه ينجح تدريسياً وصحفياً واعلامياً ومعلقاً وادارياً وكروياً واولمبياً وممثلاً للوطن في القارة والعالم، فعلامَ نختزله ببرنامج احاطته ظروف نجاح ما كانت أسعفت البدري نفسه في تجربة متاخرة في فضائية (الشرقية)، ليس لان الرجل نضب خزينه ابدا، انما للعمر مقتضياته، مثلما للأداء التلفازي المعاصر ادوات اختلفت كثيرا عما سبق، وماكان يؤمّنه البدري لوحده ببحر اسبوع صار يضعه اشباه المقدمين وأنصافهم عند طاولاتهم بنقرة زر على لوحة مفاتيح الحاسوب!