Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

أعمال قديمة- جديدة الحراك الاسلامي وموضوعات الوفاق الوطني

أعمال قديمة- جديدة                                الحراك الاسلامي وموضوعات الوفاق الوطني
أعمال قديمة جديدة - عادل عبد المهدي - 19:23 - 27/11/2021 - عدد القراء : 1148

(اشارات للحالة العراقية)

عادل عبد المهدي
هولندا/حزيران 2000

مقدمات الوفاق الوطني
اخذت الحياة السياسية والاجتماعية, بل وحتى القيمية, شكلا جديدا منذ بدايات هذا القرن. ويمكننا ان ندرس هذا الامر من زوايا عدة.
ــ الكلام عن انهيار الدولة العثمانية وقيام دول جديدة منها العراق.. ثم نبدأ ــ كما يفعل الكثيرون ــ بالكلام عن هذه الهويات الجديدة كمجتمعات ودوائر متكاملة مستقلة. فنحلل وقائعها بالتعامل معها كدائرة او كمجتمع نسقط عليه ذات المفاهيم والمنطلقات والاحكام التي نسقطها عادة على المجتمعات المتكاملة المستقلة.
ــ او يمكننا الذهاب اعمق من ذلك والكلام عن العملية الاستعمارية الامبريالية التي ساهمت في القضاء على الكيانات السياسية التي كانت قائمة وتفكيك الجغرافيات والبنى التاريخية ومرتكزات الاجتماع الوطني التي كانت موحدة ومرتبطة بمختلف دوائر واشكال الارتباط لتبنى مكانها كيانات ان كانت من جهة لا تقوم على فراغ, بل على تاريخ ومفصلية معينة, لكنها كيانات تجد مبررات قيامها واستمراريتها الاولى والاساسية من عملية خدمتها لشروطها الجديدة في ارتباطها بمصالح ومراكز المتروبولات العالمية.. لتأتي عملية بناء الدولة الجديدة لتلبية امرين: الاول وهو الاساس والمتمثل بضبط وتقنين الكيانات الصاعدة والثاني.. كتعبير عن الارادات الوطنية الجديدة التي لم تحسم نهائيا ذلك التناقض القائم بين استمراريتها التاريخية ومركباتها الداخلية من جهة والشروط الخارجية الجديدة التي فرضت عليها سلسلة مفاهيم وتحديات ووقائع اقتحمت واقعها واحتلت مكانا ــ طبيعيا او مصطنعا ــ في داخلها.
هناك اذن خلاف منطلقات وتأسيسات وتعريفات اساسية واولى.. اذ بدون الاتفاق من اية دائرة نبدأ وفي اية دائرة نقف.. او من اية مشروعية ننطلق فان سلسلة النتائج التي سيصل اليها هذا الفريق ستختلف جذريا عن سلسلة النتائج التي سيصل اليها الفريق الاخر..
اننا نقف اذن امام مشروعين وبالتالي امام شرعيتين:
فالذي يرى ــ في مرتكزاته الفكرية والعملية النهائية ومحصلاتها, وليس في اقرارات اللسان وبهارج الحديث فقط ــ ان التاريخ والمفاهيم التي اوصلت هذه البلاد الى القرن العشرين هو تاريخ جامد او مفاهيم متخلفة سيسعى لاعطاء اكبر قدر ممكن من الشرعية للتاريخ الذي تأسس حديثا, او للتشكيلات السياسية الاجتماعية التي قامت مؤخرا وبالتالي للمفاهيم التي رافقتها وارتكزت اليها وسيضعضع بشكل مباشر وغير مباشر كل المشاريع والشرعيات الاخرى..
اما الذي يرى ــ في مرتكزاته الفكرية والعملية النهائية ومحصلاتها, وليس في اقرارات اللسان وبهارج الحديث فقط ــ بان التشكيلات المعاصرة عندنا, والمفاهيم التي رافقتها, هي عمليات اقتحام سعت وتسعى لتدمير التواصل التاريخي ومرتكزاتها الاجتماعية والمفاهيم التي قامت عليها فانه سيضعضع قدر الامكان من الشرعية المعاصرة ليرتكز في شرعيته ومشروعه على الحقائق التاريخية والمفاهيم التي حملتها واستندت اليها.
اذا كنا فعلا امام مثل هذين المنطقين فاننا نعتقد بان اي وفاق وطني بين الدولة والمجتمع او بين الفرقاء الذين يحمل كل منهم منطلقاته تلك, نقول بان اي وفاق وطني سيفقد اية قاعدة موضوعية للبناء عليه, لنصبح امام مجتمع ضعيف لانقضاض الدولة عليه, ودولة ضعيفة لانحباس تأييد المجتمع لها وسعيه للانقضاض عليها.. واحزاب وقوى وتيارات يضعف بعضها بعضا بسبب حالات الشقاق والتناحر, بل وحتى التحارب والاقتتال, وهو ما يفسر من زاوية معينة احد الاسباب الرئيسية للاوضاع المأساوية التي نعيشها والتي ان اضيفت اليها الاسباب الاخرى الداخلية والخارجية فاننا سنفهم هذا التداعي المتكامل في مجمل اوضاعنا ان كانت فيما بيننا او فيما بيننا كابناء جلدة واحدة ومع محيطنا وخارجنا..
جدلية الانقطاع والتواصل
باختصار, نحن لا نتعامل هنا اساساً, مع تلك الجدلية التاريخية التي تحصل في كل المجتمعات عبر التاريخ والتي يدرسها الباحثون تحت تعبير جدلية الانقطاع والتواصل.. اي تلك الجدلية التي تحصل في مقاطع معينة من تاريخ الامم, بما في ذلك المقطع التاريخي الراهن, حيث تمثل عملية الانقطاع عن عوامل العطل والتوقف والجمود في الوقت نفسه عملية التجديد والتواصل, فترتبط العمليتان بعلاقة متبادلة لتمهد احداهما للاخرى في عملية تفاعل وتكامل.. لا تنفي فيه المجريات او التحولات السلمية عمق ــ او ان شئت ثورية ــ التغيير.. ولا تقود فيه العمليات العنفية, كالثورات والاحداث الكبرى, الى الهدم والتخريب. عندما تمر الامم بهذه المقاطع فانها عادة ما تضيف لنفسها مصادر قوة تتزايد باستمرار, وستراكم لمكاسبها المتحققة مكاسب اخرى, وستضيف لواقعها الحضاري واقعا جديدا.
اننا, هنا امام امر استثنائي لم تعرفه البشرية من قبل ولا يشبه باي شكل من أشكال الاستغلال او اي عمل من اعمال الغزو والتجارب التي عرفتها الامم والبلاد على مر التاريخ والعصور. اننا امام الحقيقة الاستعمارية والامبريالية التي انطلاقا من مركز معين تريد ان تؤسس لتاريخ عالمي جديد يصبح فيه شرط تقدم الغرب استلاب وتخلف بقية الامم. اننا هنا لا نعيش قانون الرأسمالية كما حللها ماركس والذي رأى دورا ثوريا للرأسمال في تطور ونهضة الامم والشعوب, وذلك بعد تشبع الاسواق الاوروبية وانتقال رؤوس الاموال والخبرات والقوى العاملة, بل اننا نعيش قانون الامبريالية التي حللها لينين والتي لم يجد فيها الا امرا رجعيا تآمريا احتكاريا طفيليا مدمرا لا يحمل اي افق ثوري بل هو مصاص دماء يسمن بافقار غيره, ويبني بتدمير ما عداه. فوحدة رأس المال العالمي ووحدة الاقتصاد والسوق العالمين لم يحمل في قانونه الموضوعي عملية استنهاض للبلدان الاخرى للسير بهذه المسيرة او لتحفيز عوامل البناء والتقدم والوفاق, بل على العكس, حمل الجوهر الموضوعي لعمل الرأسمال المعاصر عملية هدم وتفكيك وخصومة, دون بناء مقابل.. فهو عملية امتصاص ونهب تدمر القوى الحية لتحل محلها قوى طفيلية اشد تخلفا وحيوية من القوى القديمة..
حيوية الغرب ترتبط بتوليد السلبية عندنا
لهذا لا نشهد مجرد هجوم من خصم خارجي علينا.. بل نشهد هجوما من المفاهيم والقيم والمرجعيات والاهداف التي لن تجد لنفسها مجالا لبسط نفوذ شرعيتها وسلطتها ومرجعيتها الا بالقضاء ليس فقط على الاسس التاريخية التي قامت عليها مفاهيمنا ومرجعياتنا ومجتمعاتنا واوطاننا وجغرافياتنا فحسب, بل وايضا الاسس الواقعية والمعاصرة التي تسمح لنا بان نؤسس دائرة نشاط (اية دائرة نشاط) فيها من الحيوية والفاعلية ما يلبي بعض شروط الحياة في بلداننا. باختصار حيوية الغرب باتت ترتبط بتوليد السلبية عندنا.. فالحيوية الوحيدة المطلوبة لدينا هي في ذلك (او في تلك القطاعات) الذي يرتبط او التي ترتبط بتوليد الحيوية عندهم.. وان من متطلبات هذه العلاقة ان تدفع نحو توليد السلبية في كل القطاعات الاخرى, اي في مجمل النشاط الاجتماعي. وفي حالتنا العراقية مثلا يقف مثال النفط كشاهد بارز على مثل هذه العلاقات التي هناك مايشابهها في كل بلد من البلدان المستعمرة, بما في ذلك البلدان الاسلامية.. فحيوية قطاع النفط لا تمثل قاعدة لاطلاق حيوية اقتصادية او اجتماعية, بل على العكس فان ما يولده من تركيبات في اطار الدولة وفي تركيبة وقيم المجتمع الذي يبدأ بصياغته انطلاقا من قيمومته عليه, تدفع بالضروة الى تدمير النشاطات الاقتصادية والاجتماعية لمصلحة اقتصاديات الاستيراد والصناعات والنشاطات الاقتصادية التابعة والهشة. اي ان الآلية الموضوعية ــ وهذا ما نريد التأكيد عليه ــ تولد هذه النتيجة, اي قوانين التخلف والتبعية والسلبية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفقر, وبالتالي الخصومة الاجتماعية والتنازعات الضيقة والاقتتال لانعدام الارضيات الواقعية لتأسيس المصالح والدورات او الاجتماعات الكبرى التي هي الاساس في تأسيس التوافقات والمشتركات الكبرى.. وخلافا للفكرة السائدة والساذجة, في آن واحد, من امكانيات التنمية او التطور المريح الذي يوفره وجود قطاعات ذات موارد سهلة كالنفط او السياحة او غيرها من قطاعات التصدير التي يعتمد عليها الاقتصاد, فان تحريك العوامل الايجابية, في هذه الاوضاع, يتطلب جهدا ذاتيا هائلا لتعطيل جزء من القانون الموضوعي ليتم الخروج ولو نسبيا من دائرة التخلف والتبعية والضعف التي يطلقها ارتباط هذه البلدان بالدائرة الاستعمارية الامبريالية والسوق الرأسمالية العالمية والاقتصاد العالمي. وان مثال العقوبات والحصار الاقتصادي الذي فرض ظلما على العراق ومنعه من تصدير النفط يعكس مدى ارتباط شريان الحيوية في الداخل العراقي بشريان الحيوية للاقتصاد العالمي.. فبمجرد توقف هذا الشريان, حل الموت والفقر والعوز والمرض في كل البلاد.. واصبحت القطاعات الاخرى اكثر عجزاً, في حين ان التركيبة الاقتصادية والاجتماعية لو كانت في وضع متوازن وصحيح لتحركت القطاعات الصناعية والزراعية والنشاطات الاقتصادية ليس فقط لتعوض عن هذا التعطيل, بل ايضا لتوفر لها شروطا مناسبة اكثر لكي تنطلق بحيوية وانتاجية واجتماعية عليا. وان العقوبات التي فرضت على كل من المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الاولى او الثانية وتعطيل قطاعات معينة, سواء تلك التي ارتبطت بالصناعات الحربية او غيرها, لم يقد سوى الى اطلاق النشاط والحيوية في القطاعات الاخرى الكهربائية وذات التكنولوجيات العالية والالكترونية والتي سمحت في مراحل لاحقة لكي يدخل الاقتصاد وبالتالي الاجتماع في هذين البلدين حالة من الحيوية والنشاط اكثر من تلك البلدان التي فرضت عليهما الحصار. ورغم ان المقارنة هنا ليست دقيقة وكاملة, لكنها مثيرة وتدفع للتأمل عن ذلك البون الشاسع الذي يفصل بين اقتصاد واجتماع يرتكز في حيويته على مقوماته الداخلية والذي لم تمنعه شروط الهزيمة والاحتلال من القيام والنهضة ليتقدم على محتليه, وبين اقتصاد واجتماع بات يسمى بالمستقل والسائر في طريق النمو لكنه يخضع للشروط الاستعمارية والتي لا يستطيع لا في اوضاع سلمه ولا في اوضاع حربه الا ان يزداد تخلفا وفقرا وخضوعا لتزداد عوامل الخصومة والتناحر والخلاف الداخلي مطلقة شتى النظريات والاجتهادات والمواقف وتبادل الاتهامات التي تضعف كلها من الوفاق الوطني وتهدد القاعدة التي يقوم عليها الاجتماع سواء بين تيارات المجتمع او بين المجتمع وقيادته او سلطته. الوفاق لا يعني توقف الاختلافات, بل يعني الارضية المتينة التي تسمح بالاجتهاد والاختلاف
هنا تقع المشكلة في جوهرها الاساس فاذا لم نتفق في هذه المسألة فانه سيتعذر تأسيس اتفاقات جدية في تفاصيل اخرى. او لنقل ان الاتفاق سيتعذر بين من يعتقد بهذه النظرة صراحة او ضمنا وبمن يعتقد ان الغرب حمل ويحمل الينا مشروعا تاريخيا وايجابيا في ذاتياته ومقوماته الموضوعية وزخمه الداخلي, وان احدى عوامل تعطل الاستفادة من فاعليته هو تخلفنا عن فهمه وتوفير المرتكزات التي تلبي شروط انطلاقه. وان ما نقولـه هو ليس كلام الاحاد او القلة بل هو الكلام الذي تعترف به الاغلبية الساحقة من العالم ثالثيين الى اليساريين الى الماركسيين الى الوطنيين, وهو الكلام الذي تتبناه المؤتمرات التي عقدت حول الجنوب والشمال وهو الكلام الذي يبرز في المفاوضات الثنائية وهو الكلام الذي سجل نفسه كتيار قوي في المؤسسات الاكاديمية والذي صدرت فيه ثروة هائلة من الابحاث والكتب والمقالات والمجلات التي تكشف كلها عن العوامل البنيانية والمفاهيمية التي ولدتها العملية الاستعمارية الامبريالية وارتباط اقتصاديات واجتماعيات العالم المستعمَر بالعالم المستعمِر.
ان التوقف عند هذه المسألة للتشديد عليها يوضح بدوره مدى التعقيدات التي تواجه مسألة الوفاق الوطني وأهمية مراجعة كل القوى والتيارات لمناهجها بما يسمح ببناء مفاهيم لا تشكل, لا ترديدا لمقولات دينية او تاريخية مجردة, ولا ترديدا لمقولات علمانية او معاصرة مجردة.. فالتأسيس يجب ان يكون لـه منطق مباشر وواضح وهو القدرة على اطلاق الحيوية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لتحقيق اهداف محددة وملموسة تمس حقوق الفرد والامة والتي لن يختلف كثيرا في تعدادها وتعريفها: مثلا, المواطن.. معتقده.. حريته.. امنه.. حياته الكريمة وحقوقه وتعليمه وصحته.. تحرير اوطانه وتوحيدها, الخ.. فاذا ما تجاوزنا الخلافات الطبيعية, ذات الطابع العقائدي او المنهجي, او السياسي, فان البقاء عند التوجهات الاساسية خصوصا فيما يخص البرنامج الاجتماعي والسياسي, يدفعنا للقول, بانه اذا ما استطاعت القوى التي تحركها المرجعية الدينية والتاريخية ان تتحرك نحو هذه الاهداف وان تحرك قطاعات واسعة من المجتمع في اتجاهها وان تقدم برنامجا تبرهن الوقائع عن عمليته فانها تكون قد ملأت فراغ برنامج القوى التي تتخذ من المعاصرة مرجعية لها, لتنفتح عليها في عملية توافق وتكامل, قد لا يخلو من خلافات لكنه يخلو من تناحرات ضارة ومدمرة.. اما اذا تحرك برنامج القوى الاخرى لتحقيق هذه الاهداف وحرك قطاعات واسعة من المجتمع وقدم برنامجا برهنت الوقائع عن عمليته, فانه (اي هذا البرنامج) لا يمكنه بأي حال من الاحوال ان يصطدم بالقوى الاولى, بل سينفتح عليها ويسعى للتوافق والتكامل معها, دون ان يعني ذلك سوى كبح جانب الخلافات التناحرية..
هذا الفهم لن يحل كل مشاكل التأسيسات وبناء وفاق وطني, ولن يلغي كل جوانب التناحرات وعوامل الانقسام والانشقاق سواء بين تيارات المجتمع, او بين المجتمع والدولة او بين المجموع وتحديد طبيعة العلاقة بالخارج.. لكنه سيبني قاعدة عريضة وواسعة, والاهم سيبني زخما وتيارا متصاعدا, يمكنه ان يفكك المسائل المتداخلة والمختلطة التي ترسم صورة معقدة راهنة لواقعنا المعاصر والتي تقدم نفسها كصورة داكنة متشائمة وسلبية.. ليحل محلها سياقا جديدا يفتح الباب لحلول ستتصاعد اهميتها مع كل مرحلة وانجاز.
لا يمكن للقوى المختلفة ان تضع لنفسها نموذجا وتقيس عليه مواقف الآخرين بمدى اقترابهم او ابتعادهم عن الانموذج الذي رسمته بحق او باطل لنفسها ولغيرها.. فقبل النموذج يجب الالتصاق بالاهداف الحقيقية والمنجزات الفعلية ومدى اقترابها من المطامح العليا التي اشرنا تلميحا لبعضها اعلاه. فالنموذج يجب ان يجسد هذه الاهداف لا ان يكون وسيلة للقضاء عليها.. لا يكفي ان نقول ان النموذج هو دولة اسلامية ثم تسلب هذه الدولة حريات المواطنين وتكرس الفقر وتحطم القيم وتخضع لشروط الخارج ولا تساهم في تحرير فلسطين ولا توحد البلدان العربية او الاسلامية.. الخ.. ولا يكفي بالمقابل ان نقول ان النموذج هو دولة ديمقراطية ثم لا نرى امامنا سوى الاجهزة والسجون والتعذيب, وقمع الاخر ليكون ثمن كل ذلك حرية الاجنبي في استباحة بلداننا, والخضوع لشروط صندوق النقد الدولي والطقم المالية, وتدهور اقتصاد البلاد والاثراء الفاحش لقلة من المستفيدين على حساب افقار الاغلبية الساحقة والذهاب نحو مشاريع التسوية وتنصيب النفس كشرطي لمصلحة الاجنبي لمحاربة القوى الاسلامية والوطنية.
الصراع ليس بيننا وبين الغرب
فالصراع ليس بيننا وبين الغرب.. والخلاف ليس في اننا نريد ان نرفض كل ما يأتي به الغرب, او ان نغلق الابواب على انفسنا. فهذا موقف لم نقم به في التاريخ لا في ظل الاسلام ولا في ظل غير الاسلام.. فلقد سبق لنا ان تقاتلنا مع الغرب في مراحل عدة, لكن ذلك لم يمنع من التجاور والاتصال والتعاون والتحالف والتبادل والتفاوض والتعاهد والحوار واستقبال المنتجات والمفاهيم وتصديرها.. فانتقلت الينا مفاهيم علمية وفلسفية يونانية او هلنستية او رومانية دون ان تخل بتوازناتنا بل طورت الحوار داخلنا وساهمت في توليد نهضة فيها الكثير من الجدل والخلاف والنقد دون ان تمزق اجتماعنا او تنسف اسسنا, او دون ان تمنع من قيام عمليات التغيير الكبرى التي مرت بها المنطقة عموما او بلدانها المختلفة.. فقبل البعض ورفض آخرون. رفض الغزالي في تهافت الفلاسفة واحياء علوم الدين النظرات الفلسفية بينما اخذ بها ابن رشد ودافع عن نظراته في تهافت التهافت ووقف الشيخ الطوسي بين الاثنين لتفرز هذه الحركية اعلى وارقى المحاولات الفلسفية والتي وصلت قمتها لدى صدر المتألهين الملا صدرا الشيرازي في الاسفار الاربعة او مفاتيح الغيب وما قادت اليه من حركة علمية ودراسات لتنتقل الينا اليوم على يد عدد كبير من العلماء منهم المفسر الكبير الطباطبائي صاحب الميزان والامام الخميني والشهيد الصدر والشهيد مطهري وغيرهم. لم تختل اقتصادياتنا لاستخدامنا الدينار dinarius الذي جاءنا من روما. ولم نشعر بالتبعية او الاستلاب ولم تحجز هذه العلاقات تطورنا ورقينا ولم تدمر لا ديننا ولا هويتنا ولا اجتماعنا ولا اقتصادنا. بل كانت عوامل اضافة وتراكم تماما كما كانت علاقاتنا بالهند او بالصين او بغيرها من ثقافات وحضارات وتجارب وامم, علاقات تبادل وتجاور قد نتجاوز حدودنا فنعتدي عليهم, ويتجاوزون حدودهم فيعتدون علينا في اطار خلافات او مطامع تجاور, وليس في اطار علاقات اخضاع واستلاب وهيمنة تسعى لتفكيك المرتكزات الحضارية والمفاهيمية والقيمية لمصلحة مرتكز مفاهيمي وقيمي وحضاري واحد يضمن آليات تجدد التفوق لفريق على حساب تجدد التبعية والخضوع لبقية الفرقاء.
كنا امما متجاورة تتصارع وتتبادل وتتعاون فتَسبق وتسبق في اطار علاقات تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية, فشهد التاريخ مراحل قوة وضعف لهم ولنا وفق منطق وتاريخ معروف وواضح.
مرحلة التجاور هذه انتهت بالمرحلة الاستعمارية والامبريالية وصرنا امام واقع جديد في النوع والكم.. ليس لانهم باتوا الاغنياء وبتنا الفقراء ولا لأنهم صاروا يملكون مفاتيح العلوم وصرنا مواطن الجهل بل لان العالم بات منذ قرنين واكثر يعيش الواقع الاستعماري الامبريالي وهذه حقيقة لا تقارن ولا تقاس باية حقيقية اخرى.
فالقوى خارجية او محلية.. علمانية او دينية.. يهودية او مسيحية او اسلامية.. شرقية او غربية.. في السلطة او خارجها, والتي تريد ان تحمل الينا المشروع الاستعماري, وتحت اي غطاء كان, لا يمكن التوافق والوفاق معها. فهذه القوى وبغض النظر عن النوايا الشخصية, لا تريد سوى تدمير ديننا او ادياننا, وتمزيق اوطاننا واستلابها وتحطيم مرتكزاتنا وبلداننا وانساننا. فاسس الوفاق يتم نسفها بشكل مباشر وغير مباشر بالتعريف الاول للمصالح الاولى والاساسية التي يحملها كل طرف.
بدون اعلى درجات الصرامة في الموضوعة تلك, لا يمكننا ــ دولة واجتماعاً او حركات وتيارات ــ ان نصل الى اعلى درجات الانفتاح في علاقاتنا فيما بيننا او فيما بيننا والعالم الخارجي وقواه المختلفة. وان الانفتاح على خير بعضنا وتوفير اجواء النقد البناء والمساعدة في كشف الاخطاء والانحرافات والتأسيس لتوافق يعرف ويعرف صداقاته وعداواته ومصالحه العليا واهدافه هو القاعدة وصمام الامان لتطوير اوضاعنا الداخلية من جهة ولايقاف النزف الخارجي من جهة اخرى.
اذا ما انجز التأسيس والفهم العام هذه المرحلة من الاجماع والتوافق في تعريف المصالح العليا فان صورة او صورا اخرى لا بد ان تتشكل. اذ لا يمكن للحوار الداخلي ان يبقى في اطار ثنائية الاستعمار والوطن. فعندما نخرج من هذه الثنائية لندخل في دائرة الوطن, عندها يمكن الكلام عن الصحراء والجبل وعن الجداول والانهار وعن المزارع والبساتين لتتحول هذه الفسيفساء الى عوامل اثراء واغناء وتكامل لا الى عوامل خصومة واعتداء ومطالب ضيقة لا ترى حقوقها الا بالعدوان على حقوق غيرها.
ان التحليل والفهم ان كان يبدأ ببناء تصوراته باقرار مقدمته الرئيسية ليصادمها بما يناقضها سيكون عاجزا وضعيفا وناقصا وظالما اذا ما اسس كامل تصوراته وبالتالي افعاله على قطبين مجردين للتناقض لينفي او يقارب كل ما عداهما.
الصورة عندنا اكثر تعقيدا من ذلك بكثير.. ومن الغبن والغباء ان نبسطها او نختزلها في جبهتين او فريقين: مؤمن وكافر.. اصولي ومتغرب.. متخلف ومجدد.. تقدمي ورجعي.. متنور وظلامي. في التاريخ الاسلامي لا نجد مثل هذا التعامل الا استثناء.. وان مثل هذا التبسيط قد يوقعنا في اخطاء فادحة او قد يقودنا الى فتن كبيرة. فنقرر صداقات او عداوات وهمية تغرقنا اما في صراعات تنهكنا لنخرج منها خاسرين بالمطلق, او تحشو عقولنا باوهام سنستهلك الكثير من طاقتنا وقوانا قبل ان نكتشف بطلانها.
فخلف دعوات التنور قد تقدم اكثر ممارسات الظلامية, وتحت غطاء الايمان قد تمارس اشد ممارسات الكفر.. ووراء نزعات الاصولية قد نشهد اكثر حالات التغرب, وبحجة التقدمية قد تقوم العديد من الاعمال الرجعية, وقس على ذلك.
الاسلام.. المجتمع.. العنف.. الاقلية والاغلبية
هناك اولا فهم اسلامي عام يشمل كافة التجارب الاسلامية في كل البلاد الاسلامية حاليا.. لكن هناك ايضا خصوصيات تتعلق بهذا البلد او ذاك.. وان حالة الخصوصيات قد تتجاوز احيانا سقف الفهم العام مما يتطلب التشخيص المناسب. وهو ينطبق في حالة العراق في تأثرها في آن واحد بالفهم العام او بخصوصيات الاوضاع العراقية.
هناك حقيقة اولى يجب اقرارها وهي ان الاسلام ليس تيارا او فريقا او حزبا او رجل دين, انه دين هذه الشعوب وان اي عدوان او انتهاك لـه هو انتهاك لثابت من ثوابت الامة كانتهاك حدودها وسيادتها ووطنيتها ولغتها ومصالحها, بل هو في نظرنا مقدم على كل ذلك. هذا هو الحد الادنى الذي بتجاوزه نتجاوز الخطوط الحمراء لأي وفاق وطني.. اما مع احترام هذه القاعدة فان المواقف ستختلف. فهناك من سيدعو لحكم لا يحمل من مرجعية سوى الاسلام شريطة ان لا يعني ذلك تصفية مخالفيه والتضييق عليهم وعدم توفير مساحات مناسبة للنشاط والعمل والتعبير عن الرأي , وهناك من سيرفض ان يكون الحكم بمرجعية اسلامية شريطة عدم محاربته للاسلام او عدم احترامه لمشاعر الناس الدينية والتضييق عليها بعدم توفير مساحات مناسبة لهم للنشاط والعمل والتعبير عن الرأي.
وقد تجسد هذا الموقف عند تأسيس الدولة العراقية.. حيث لم تشترط المرجعية الدينية قيام حكومة اسلامية, بل اشترطت حاكما مسلماً لا يخالف احكام الشريعة.
اسست الدولة العراقية بعد اعمال مقاومة عظيمة ضد الاحتلال البريطاني. اعمال مقاومة توجت بثورة العشرين والتي قادتها المرجعية بزعامة الشيخ الشيرازي, فنزل العلماء الى سوح القتال يقودون العشائر والفلاحين ويلتقي عندهم المثقفون وابناء المدن والوجهاء ومن كل القوميات والديانات والمذاهب والتيارات. فشكلت الثورة اهم مرجعية تأسيس ظل العراقيون يحتفلون بها كأهم حدث من احداث تأسيساتهم الوطنية التي لم تستكمل للاسف الشديد.
هذه الثورة وان كانت قد عجزت عن فرض مطالبها لكنها نجحت في تحسين شروط الاحتلال التي اسست في ظلها الدولة الجديدة.
فجاءت الدولة العراقية وهي تحمل وجهين:
الاول.. المتمثل برغبات ومطامع الاستعمار البريطاني والادارة التي نصبتها في البلاد..
والثاني.. ما عكسته من طموحات وطنية او دينية سواء لدى الحكام كأفراد او من ضغوطات ومطاليب شعبية لا بد ان تنعكس ــ عن حسن نية او للالتفاف وكسب الوقت ــ في دوائر واعمال الدولة ومفاهيمها, وذلك في اطار ميزان القوى الذي كان سائدا حينذاك, والذي كان فيه المجتمع ما زال قويا طريا لم تخضعه بعد مختلف الاطروحات التي تعاقبت مع مرور الزمن لتسلب من المجتمع المزيد من الحقوق ومراكز القرار والقوى, لتضعها بيد الدولة وافرادها وصولا الى حكم الفرد المطلق المتمثل اليوم بحكم صدام حسين.
فالفتاوى التي صدرت في بداية تأسيس الدولة لتحريم العمل مع الدولة تعكس الموقف من الوجه الاول الذي مثلته المؤسسة الحكومية, بينما عكست الرغبات اللاحقة لمساعدة الدولة في مواجهة الانتداب والاحابيل البريطانية الوجه الثاني.
لم تسجل مواقع القرار في الحراك الاسلامي التي اخذت المرجعية اهم مواقعها في بلد كالعراق, نقول لم تسجل مواقف عناد وتطرف لا مع الدولة ولا مع تيارات المجتمع الاخرى, بل سارت في طريق النصيحة والاصلاح رغم كل المضايقات واعمال الاختراق الفكرية والمسلكية التي شاعت عبر سلسلة من الاجراءات والسياسات والقوانين التي سارت كخط عام لتضييق دائرة الاسلام وتشجيع دوائر تقليد القوانين وانماط الحياة الغربية والاوروبية.
فها هو المجاهد الخالصي ينزع البيعة عن فيصل الاول بعد ان اخل الثاني بتعهداته مما تسبب في طرد الشيخ من البلاد والطعن بوطنيته.. وها هي مرجعية السيد ابو الحسن الاصفهاني تنهج خطا دفاعيا مسالماً فلم تعط للسلطة شرعية لاعمالها ضد الاحزاب والتيارات خصوصا سياسات السلطة المتأثرة بالموجة الامريكية والغربية في محاربة الشيوعية والتي انعكست لدينا في قانون ما سمي بمحاربة ذوي المبادئ الهدامة. لا نقول ان مواقف علماء الدين لم تندد بالشيوعيين والشيوعية لكنها لم توفر اي غطاء لمواجهتهم عن غير طريق الحوار والنقاش والتحصين الذاتي.
لم تقبل المرجعية الاسلامية لا في النجف ولا في قم باطروحات الشاه الذي استجداها بالوقوف معه ضد حكومة مصدق في ايران بل على العكس تحالفت الحركة الاسلامية والحركة القومية بشخصي الكاشاني ومصدق لمواجهة مؤامرات الشاه والولايات المتحدة ولم تنجح وفود الشاه وعرض الاموال الهائلة لأن تغير النجف من موقفها رغم ضغوطات الحكومة العراقية.. وانني اتذكر وانا ابن الثانية عشرة كيف حضر زاهدي في طريقه الى تركيا قبل حركة الانقلاب, واجتمع بوالدي في دارنا في الكرادة الشرقية في بغداد في اطار مساعيه لكسب التأييد في الضغط على المرجعية دون نتيجة تذكر.. لكن المرجعية, بالمقابل, لم تندفع للطعن في شرعية الدولة وزعزعة مكانتها وقدراتها, بل وقفت معها في القضايا التي تحمل اتجاها صحيحا في القضايا الشعبية او الوطنية.
وعند قيام ثورة تموز, ورغم ان مرجعية السيد الحكيم لم تساهم في الثورة ولم تكن على وفاق مع كل ما صدر عنها, رغم ذلك بقيت على مواقفها المتوازنة والمتحفظة.. ورحبت في تصريحات معروفة بالثورة رغم استهجانها بعض الاساليب التي اعقبتها. وقد يكون من المناسب هنا في هذه الندوة العلمية والحوار الصريح والهادئ ونحن في دعوة من مجلة «الثقافة الجديدة» ان نموضع الفتوى التي اغضبت الشيوعيين ولم يروا لا مسؤوليتهم فيها ولا مدى التوازن في كلمات السيد الحكيم في حينها. فكلمات المرجع الاعلى صدرت في وقت بات فيه الشيوعيون في مواقع شبه سلطوية وصار لهم حرسهم ومليشاتهم واصبحت لهم المبادرة وصاروا هم الذين يلاحقون خصومهم اكثر من كونهم الملاحقين. مع ذلك صدرت الفتوى محددة تقف في حدود الواقع الفكري الذي يدعيه الشيوعيون لانفسهم في اعلان انكارهم للخالق وعدم اعترافهم بالرسالة والجنة والنار واعتبار ذلك من الخرافات.. فقال «الشيوعية كفر والحاد», وهو امر لا ينكره الشيوعيون انفسهم, ولم يضف من مزاجه او تفكيره اوصافاً اكثر مما اختطه الشيوعيون من منهج فكري ومسلكي.. فلو قال الشيوعيون عن المسلمين, بان الاسلام ايمان بالله وبالغيب لما كان هذا سيغضب المسلمين. وان من مصاديق كلامنا بان السيد الحكيم كان عند مسؤولياته ولم يحاول ان يفرط بابناء الوطن بسبب العقيدة, او الخلاف, هو انه عندما قامت الثورة المضادة في شباط 1963 واخذ التنكيل شكل المجازر بالشيوعيين هذه المرة, لم تقبل المرجعية بتغطية هذا العمل ورفضت كل المحاولات لاستصدار فتاوى لاعطاء عنوان عام للتعامل مع الشيوعيين كملاحدة ومرتدين لا يجوز تزويجهم ودفنهم في مقابر المسلمين وغيرها من احكام تقع تحت هذا الباب.. ونستطيع ان نستطرد فنشير الى فتوى السيد محسن الحكيم والشهيد الصدر بحرمة قتال الاكراد رغم ان الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان يقود الثورة الكردية كان يتبنى في وقتها الماركسية اللينينة.. وانقل بهذه المناسبة كلاما سمعته من الشهيد السيد مهدي الحكيم قبل استشهاده في الخرطوم بيومين عندما زرناه في المركز الاسلامي في لندن وانا برفقة اخوين مجاهدين من فلسطين, قولـه بان والده كان يقول بان من يقتل على ارض فلسطين في مقاتلة العدو فهو شهيد حتى ولو لم يصلّ.

الطابع السلمي للحراك الاسلامي
لم يشهد تاريخ العراق المعاصر اي تصعيد من المرجعية او الحراك الاسلامي ازاء الدولة رغم كل الخلاف الذي ظهر منذ التأسيس الاول, خصوصا وان الدولة تخطت كل الحواجز واخذت تتصرف بقوة القانون والاجهزة, وكأنها مصدر الشرعية الوحيدة, مع انها الهيئة الوحيدة في البلاد التي لم تتمتع في معظم مراحلها وخصوصا في العقود الثلاثة او الاربعة الاخيرة باية احقية او تمثيلية ان كانت شعبية او دينية او ثورية او وطنية. على العكس من ذلك شهد تاريخ الفترتين الملكية والجمهورية بان المرجعية الدينية او الحراك السياسي الاسلامي استغلت كل حالات الانفراج للانخراط في العملية السياسية ذات الطابع السلمي..
وخلافا للمسلمين السنة الذين طوروا نظراتهم السياسية في موضوعات الدولة والحزبية, متمثلة بمحاولات المودودي في الهند وحسن البنا وتأسيسه لجماعة الاخوان المسلمين ودورها المحوري ليس في مصر فحسب بل في العالم العربي قاطبة, فان العمل الاسلامي الشيعي الذي ظل يشكل الثقل الاساسي للعمل الاسلامي في العراق قد تأخر في التعامل مع هذه الموضوعات ولم يطور الشيعة نظراتهم حول مسألة السلطة والحكم واكتفوا بالدعوة للالتفاف حول بعض الرموز والشخصيات المعروفة وخصوصا شخصية المرجع او المراجع التي تفتي لهم فيما يتعلق بشؤونهم الدينية وتدافع عن حقوقهم عن طريق الضغط المعنوي والتعبئة الشعبية والفعاليات والمراسم الدينية والنشاطات الثقافية. ولم تبدأ محاولات تأسيس حركات سياسية بالمعنى المتعارف عليه الا في نهاية الخمسينات او بداية الستينات مع تأسيس حزب الدعوة الاسلامية والجماعات والروابط المختلفة والتي رغم انها اخذت اسماء مختلفة لكنها بقيت كلها في اطر محددة فلم تنزل حقيقة الى الشارع والمؤسسات العامة والجامعات والمدارس والجيش والدولة. اي انها لم تخرج الى العلنية السياسية رغم انها كانت تعيش العلنية الاجتماعية. فهي لم تكن حركات سرية بالمعنى الذي تعنيه هذه الكلمة عن الاحزاب السياسية. بل كانت بداية حركات لم تنضج ظروفها واساليبها بعد للخروج الواسع, فبقيت في دوائر الحسينيات والمساجد والحوزات والمنتديات ومنابر النشر والتبليغ والشعائر الدينية والحسينية, وهي دوائر ان لم تكن محصورة او صغيرة بأي شكل من الاشكال لكنها دوائر لم تبلغ بعد كامل الدائرة السياسية والاجتماعية والجغرافية التي هي المساحات التي يقصدها العمل السياسي عندما تتكامل بنيته واطروحاته.
هذا ما يفسر لماذا يتقدم الحزب الاسلامي الذي حاول ان يعطي لحركة الاخوان المسلمين الشرعية القانونية عندما شرعت حكومة عبد الكريم قاسم قانون الاحزاب ولم يتقدم اي حزب او اية جماعة اسلامية شيعية بطلب للتأسيس. رغم سعي المسلمين العراقيين عموما لأن تكون لهم مجالات عمل علنية مستغلين اية امكانية او اي ظرف يسمح لهم بذلك.
لم تتطور الامور في العراق ــ شأنها شأن البلدان الاسلامية الاخرى ــ في اتجاهات الدخول الفاعل والعملي في الشؤون السياسية والعودة الى لعب دور مباشر في المجالات الاعلامية والدعاواتية والحضارية بالاشكال الواسعة والمعروفة الا في العقود الاخيرة.. ويمكننا ان نفسر ذلك انطلاقا من العوامل الثلاثة المتلازمة ادناه:
1ــ لا يمكننا ان نتصور ان الاطروحة الاسلامية التي حكمت هذه البلدان لاكثر من 14 قرنا, هي مجرد اطروحة حكمت من وراء ظهور الناس. انها عقيدة القطاعات الاوسع من شعوب بلداننا.. وان العوامل الخارجية والداخلية التي قادت في القرون الاخيرة الى اعادة صياغة الحياة السياسية والاجتماعية وفق انماط اخرى لم يعن, ولا يعني, ان ما حل في القرن او القرنين الماضيين, هو المنطلق الجديد الذي سيسجل التاريخ لـه خطاً صاعداً ليسجل للاسلام والاطروحات المنطلقة من مرجعيته خطاً نازلاً..
2 ــ عندما سعت قوى خارجية وداخلية (بما في ذلك قوى اسلامية) الى تغييب الاسلام السياسي والاجتماعي وتحويله الى مجرد علاقات فردية واحوال شخصية فانها طرحت مشاريعها للحياة ولشتى الشؤون القيمية والسياسية والاجتماعية, او لتحرير هذه البلدان وتوحيدها وغير ذلك من قضايا.. وقد اخذت هذه الحلول نصيبها من التجربة وكشفت عن نقاط القوة والضعف في داخلها وصارت هي في موضع التقويم والمحاكمة.. تعثر الحلول المطروحة, بل وفشلها في حالات كثيرة, اعاد فتح الباب امام الاطروحات الاسلامية لتقدم نفسها ان كان ذلك في معركة التحرير الوطني او في الشؤون الاجتماعية والسياسية والقيمية.. باختصار استعاد الدعاة والحركيون المسلمون ثقتهم بانفسهم وبمنظومتهم الفكرية التي بدأوا بصياغتها بما يناسب الظروف الجديدة والتي لن يحتاجوا الى كثير جهد لان يعرفوا بها المتعلم او الامي, الكبير او الصغير, المرأة او الرجل, العامل او التاجر وغيرهم من قطاعات وشرائح.. فالفكر او الولاء كان قائما ومقبولا ولن يحتاج سوى الى عملية تحريك واستنهاض واعادة صياغة خصوصا وان اللغة والمنابر ووسائل التعبئة واساليبها وخطابها وغير ذلك, كانت كلها متوفرة ومنتشرة, او على الاقل كانت حاضرة ولم تكن تتطلب سوى عملية ضخ الدماء فيها واعطائها ابعادا تناسب المهام والمعارك الجديدة, مما سمح ويسمح بتعبئة سريعة وفاعلة وجماهيرية. وان ما حصل في ايران لم يفاجئ خصوم المسلمين فقط, بل فاجأ ايضا الكثير من المسلمين مما ولد مخاضات فكرية عظيمة ليس على صعيد ايران فحسب بل على صعيد اقليمي وعالمي ايضا.. وان البحث عن جذور ما حصل في ايران لا يعود الى الاحداث التي جرت قبل عقدين او ثلاثة في ذلك البلد بل ان جذوره تمتد لتاريخ ابعد من ذلك بكثير ولتجربة تتعدى حدود ايران ايضا, لتشمل مجموع العالم الاسلامي.. وهو ما يفسر ما يسميه المسلمون بالنهضة الاسلامية التي تعددت اشكالها ان كان ذلك على الصعيد المذهبي او القومي او الجغرافي, او في الوسائل والاشكال التي بقي بعضها في اطار الدعوات السلمية بينما انتقلت اخرى الى الدعوات المسلحة وغيرها من امور متشابكة لا مجال لبحثها في هذه العجالة.
3 ــ ساعد عناد الخارج وعدوانيته وخصوصا مواقف العدو الاسرائيلي والغرب وبالذات الولايات المتحدة الامريكية, وموقف بعض الدول, ومنها وفي مقدمتها السلطة العراقية, وبعض الحركات والتيارات وتطرفها وتعصبها وافعالها على استفزاز المزيد من المشاعر وعلى المساهمة من حيث لا يدرون في الترويج للاطروحة الاسلامية. فالخصم عندما لا يدرك الاحداث التي تواجهه ويبدأ بالتعامل معها اما باساليب العنف او بالاكاذيب والترويجات المخادعة قد يؤذي ويصيب بالاضرار خصمه مؤقتا, لكنه على المدى البعيد يقدم اعظم الخدمات في المساعدة على الترويج والتعريف والمساعدة على انتصار اطروحات الآخر, الذي هو في حالتنا القوى الاسلامية..
هذه العوامل المتلازمة تفسر الى حد ما عوامل ما يسمى بالنهضة الاسلامية المعاصرة ان كان ذلك في المعارك والقضايا مع الخارج او في الداخل.
من هنا يمكن القول بانه يخطئ من يعتقد ان الاسلام هو مجرد حكومات تقول بالشريعة الاسلامية او افراد متعبدين يؤمنون بالدين.. الاسلام هو طاقة وحركية عظيمة يعيشها المجتمع ليشكل قاعدة رئيسية في تكوينه وسلوكه الذي بقي دائما متواجدا وحاضرا.. وان عدم ظهوره في مواقع معينة او عدم رؤية البعض لـه في المواقع التي يعيشونها لا يعني غيابه او ضعف تأثيراته. وهذا ما يفسر سوء التقديرات التي حاولت ان تقوم قوة او ضعف الحراك الاسلامي عندما قننته على شكل حركات او حكومات اعتقدت ان تغييبها سيعني تغييب الاسلام. لهذا اساءت القوى التي حاربته في تقويم قوته ودوره في حياة الشعوب التي اخذت به, وقارنته بالكنيسة الغربية وقاست على ذلك فاخطأت الفهم والقياس. لذلك عندما انقضت الدول الاستعمارية على البلاد الاسلامية ونجحت بعد محاولات متكررة, في القضاء على اعمال المقاومة او الثورة كالثورة المهدية في السودان او ثورة عرابي في مصر او عبد الكريم الخطاب في المغرب او عبد القادر الجزائري في الجزائر او المختار في ليبيا او ثورة العشرين في العراق وغيرها من اعمال وثورات حصلت عموما في جميع البلاد الاسلامية, نقول بعد ان نجحت الدول الاستعمارية في القضاء على اعمال المقاومة تلك او بعد ان فشلت شعوب المنطقة من مقاومة الاستعمار فتحققت السيطرة والنصر للاخير لفرض شروطه وبذل كل جهوده لاضعاف دور الاسلام السياسي والاجتماعي وتبني القوانين المدنية الغربية بعد اعطائها مسحة اسلامية لمراعاة مشاعر الناس, فانها كانت تعتقد بان الامر لم يعد سوى مسألة وقت لبناء الطبقة الجديدة والمجتمع الاخر ليتحول الاسلام الى فلكلور يفتقد كل معانيه الاجتماعية والسياسية والحركية.
ولا ينكر هنا بان عملية الاجتياح هذه لم تحصل والمسلمون في احسن اوضاعهم.. على العكس فان مراحل من التخلف والظلم والاستبداد قد منعت على المسلمين وقادتهم من مواجهة هذه الموجة التي وضعتهم دفعة واحدة امام سلسلة من التحديات الحضارية والعلمية والعسكرية التي اندفعت تخترق صفوفهم وتضعهم امام موقفين اما الرفض الساذج الذي يزيد من مواقف الانكفاء والعزلة او اقتراح البدائل البالية التي تظهرهم عاجزين لتضيف لقوة خصمهم قوة في حججهم وقناعاتهم.
كان يجب انتظار امرين في آن واحد..
ــ ان يستوعب المسلمون وقادتهم الظروف الجديدة ويفهموا شروطها وحقائقها, وتعود ثقة الناس بالاسلام..
ــ وان يصيب المشروع الاستعماري الوهن وتتكشف نقاط الضعف وتتبين مظالمه وتصل الحلول التي حملتها المفاهيم الغربية الى نهاياتها لتكشف عن عقمها وفشلها.
وكلما نجح المسلمون في فهم الشروط الجديدة واحسنوا في توجهاتهم وسياساتهم, وكلما احسنت القوى الاخرى من فهم دور الاسلام وفهم مصدر التأزم الحقيقي كلما تولدت ظروف جديدة سمحت وتسمح لتجاوز اجواء الفتنة ولبناء وحدة وطنية ووفاق اجتماعي, ان لم يصل بعد الى درجة الطموحات والآمال المطلوبة لكنه قطع في بعض الحالات اشواطا مهمة في ايجاد مشتركات لا يستهان بها لتشخيص اسباب المشاكل الداخلية والخارجية على حد سواء, ان كان ذلك على صعيد التعامل مع الدول القائمة او مع الشروط العالمية المفروضة علينا.
ورغم كل الكلام الذي يطوقنا به الاعلام والعديد من الدوائر والمراكز عن تشتت المعارضة العراقية وكثرة احزابها, لكننا اذا اخذنا هذه المعارضة بالذات انموذجا فاننا سنجد حالة من الاحترامية والتبادل والمشاريع المشتركة بين الذين يتخذون الاسلام مرجعية في اعمالهم السياسية والاجتماعية واولئك الذين يتخذون مرجعيات اخرى. صحيح ان عنف النظام قد ساعد على تكوين اسس مهمة لهذا الاجماع لكن عنف النظام لم يكن سوى عامل مساعد.. لان الخلافات في المناهج والاهداف لم يمنع من قيام توافق لا نجده لدى الكثير من الحركات السياسية والفكرية في البلدان الاخرى.. فهناك حالة قومية داخلية تتهم بالانفصال متمثلة بالفيدرالية والحقوق الكردية تقابلها حركة قومية عربية لها امتداداتها ومفاهيمها.. وهناك مواقف مذهبية مختلفة تتمثل بالخلافات الشيعية والسنية وما يفرضه الواقع والتاريخ من عوامل انشقاق وفرقة.. وهناك تيارات دينية او علمانية لكل منها مواقعها وامتداداتها.. وهناك حروب خارجية وقعت لاسباب تتعلق بالنهضة الاسلامية المعاصرة متمثلة بالثورة الاسلامية في ايران واصطفاف الدول الغربية مع النظام العراقي في حربه المذكورة او بسبب مخلفات التاريخ وادعاءات كون الكويت جزءا من العراق ووقوف الدول الغربية ضد النظام العراقي.. وهناك مسائل الحصار والتدخلات الاجنبية وغيرها من موضوعات ان بقيت موضع خلاف ومناظرة في العديد من تفاصيلها لكنها بالمقابل افرزت ممارسات جديدة ووضعت الجميع امام واجباته التاريخية مما افرز على ارض الواقع انشدادات وتوافقات قد تشكل لبنة قوية اذا ما احسن رعايتها وتطويرها لبناء تأسيس جديد تقوم على ارضه حالة من الوفاق الوطني يستطيع ان يعرف من جديد بشكل افضل شروط العيش الداخلية لتأخذ التيارات الاجتماعية انسيابيتها الحقيقية ولتسود حالة من الانصاف والعدل والمحاصصة ان كان في اطار تركيبات المجتمع المختلفة او كان في اطار القوى السياسية, وليس مجرد اجتماع مصطنع لا يقوم سوى على القمع الداخلي او الاخضاع وفق الشروط الخارجية.

الاسلام والعنف
صار شائعا لاغراض معروفة ربط الاسلام والمسلمين بالعنف. فقد شهد العقدان المنصرمان تحولات جذرية في العديد من البلدان والحالات. اذ تصاعد دور الحركة الاسلامية ان كان ذلك في اطار القضايا الداخلية او في اطار مواجهة المخططات الاجنبية في عموم البلدان الاسلامية, وخصوصا في فلسطين ولبنان. وقد كتبت دراسات عديدة تحاول ان تبين ان الاسلام يحمل بطبيعته الطابع العنفي, بينما تصدى آخرون للقول بان الاسلام مسالم بطبيعته. ولعلاقة موضوعة العنف والموقف من الاخر من مسألة الوفاق الوطني والسلم الاجتماعي فان معالجة هذا الموضوع تصبح من الامور الاساسية والعاجلة خصوصا مع تطور العنف الذي تمارسه القوى الاجنبية بحق شعوبنا وكذلك تطور العنف الذي تمارسه الدولة بحق مواطنيها ولكن ايضا بتطور العنف بين الجماعات بما في ذلك الجماعات الاسلامية سواء فيما بينها كما هو الحال في افغانستان مثلا او في اطار حالات اجتماعية كما حصل ويحصل في مصر او الجزائر وغير ذلك من امثلة تتطلب الدراسة والبحث.
نقول ابتداء بان العنف لا يولد فجأة.. بل ان العنف يؤسس من خلفيات فكرية ونظرية.. وان هذه الخلفيات لا تتولد عند امتلاك المقدرة فقط.. بل غالبا ما تجد جذورها في ظروف النشأة ومراحل الكينونة والضعف.. وان اعمال المقاومة ورد العنف بالعنف ان كان عملا مشروعا لكنه لا يخرج مضامين العنف من العوامل التي تولده والتي تعطي الحق لانسان ان يريق دم انسان اخر ولان تنظم الجماعات والشعوب والامم في اعمال حربية تصبح هي الوسيلة لحل الخلافات احببنا ذلك ام كرهناه.. لذلك يرد في القرآن الكريم بانه ]كتب عليكم القتال وهو كره لكم[.
ان فكرة العنف تبدأ عندما تتشكل الصياغات النظرية الاولى لتتكلم عن اعداء الحضارة او اعداء الوطن او اعداء الطبقة او اعداء الدين وهلمّ جرّا.. وهذا ما يقتضي اقصى درجات الحذر ووضع الحدود والضوابط.. اذ بدون مثل هذه الضوابط فان العنف يمكن ان يتحول الى وسيلة واخلاق وسياسة دائمة يلجأ اليها الاقوياء والضعفاء على حد سواء.
ونعتقد جازمين بان اهم مصدر من مصادر العنف المعاصر هو النظريات والسياسات التي انطلقت من الغرب ذاته في القرنين الاخيرين والتي استقرت في نهاية المطاف في القوة العظمى الاولى في العالم ونقصد بها الولايات المتحدة الامريكية.. فعندما تصنف الشعوب الى شعوب راقية واخرى متخلفة او الى شعوب حرة واخرى قابلة للاستعباد او شعوب متحضرة واخرى متوحشة فان فكرة التصفية والابادة ستصبح فكرة تقبلها النفوس وستبدو وكأنها حق طبيعي لا يهدف سوى الى ازاحة عوامل الاعاقة والتعطيل عن مسيرة البشرية قاطبة. سيبدو اي تصدي لمشاريع الجنس الابيض او شعب الله المختار بانه مشروع ضد الانسانية قاطبة وسيأخذ العنف ابعادا شمولية تعطي لنفسها حق استخدام كل الوسائل بما في ذلك الابادة والتدمير والتصفية الشاملة.
لا نقول هذا الكلام من باب التشهير وتحميل غيرنا مشاكلنا او لنفي نزعات العنف من داخلنا, لكن لان انماط القيم واشكال العنف التي اسسها الغرب لها علاقة بالاشكال الرئيسية للعنف الذي تعيشه شعوبنا وبلداننا..
فالفكر الغربي الذي صار قدوة لدولنا ونخبها الحاكمة ولتيارات مؤثرة في بلداننا بما في ذلك تيارات اسلامية هو فكر لا تجد مفاهيم التعايش وقبول الاخر الذي يحمل نقيضا له, تقنينا في مرتكزاته ومنطلقاته ومرجعياته العقيدية.. فهو ان قبل بالاخر المناقض لـه او تعايش معه فذلك تحت ظل حسابات المنفعة وتقديرات اللحظة وتوازنات القوى ليس الا. ونعتقد ان هذا فرق اساسي. وهو الذي فسر ويفسر الكثير من الوقائع والحقائق التي قد يكون ابرزها السعي عبر التاريخ لفرض احادية المعتقد والولاء, وحتى اللسان, والسعي لتصفية كل ما عداه. ورغم ان التاريخ الاسلامي عرف بدوره اعمال عنف وعدوان وتصارع وتصفيات, لكن الامر سار, عموما, على خلاف ذلك فيما يخص بقاء مساحة واسعة في صلب العقيدة للاخر المخالف والمناقض, مساحة تعبر عن الخلاف والخلاف العميق, لكنها مساحة لا تدعو الى التصفية والالغاء وانما تترك الامر لحساب آخر وحياة اخرى طالما ان من يختلف مع الاسلام لا يسعى لتقويض اركانه والاعتداء عليه. فالايات مثل ]انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم[ او ]لكم دينكم ولي دين[ (109\6).. وكذلك ]فذكر انما انت مذكر. لست عليهم بمصيطر[(88\21,22).. و]ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون[(5\69) ]لا اكراه في الدين[(2\256).. ]ومن كفر فان الله غني عن العالمين[3\97 ]ومن شكر فانما يشكر لنفسه وان كفر فان ربي غني كريم[(27\40).. ]ومن كفر فلا يحزنك كفره الينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ان الله عليم بذات الصدور[(13\32).. وان هذه المواقف, التي لم تبق في حدود الاطروحات النظرية بل كانت لها تطبيقات عملية معروفة, نقول ان هذه المواقف التي كان يجب ان تسجل كفضيلة للفكر والممارسة الاسلاميتين تحولت الى عامل فتنة وانشقاق وتناحر. فهذه البلاد دخلت القرن العشرين وهي تزخر بالتيارات والجماعات والديانات والتركيبات الاثنية والالسنية والتي تعود في قسم منها الى آلاف السنين. وهي تواجدات استمر حضورها وفعلها ولم تتحول الى مجرد صور فلكلورية او معسكرات مخصصة لزيارة السواح واخذ الصور مع بقايا وموميات اعمال التصفية التي خلفها التاريخ. نقول انها تواجدات استمر حضورها وفعلها بحيث باتت تسمية هذه البلاد بالفسيفساء من اعمال السخرية والنقد بدل ان تتحول الى عامل اثراء وفخر بتاريخ استطاع ان يقدم ويتعايش مع نماذج من التعدديات لا نستطيع اليوم تحملها وقبولها رغم كل المفاهيم المعاصرة عن الحرية والديمقراطية وقبول الاخر. على العكس تحولت هذه الفسيفساء والتعدديات الدينية والقومية والاثنية والعقيدية الى مفاصل جزأت البلاد والامة وصارت ركنا ارتكز ويرتكز عليه الاجنبي في سياساته للسيطرة علينا, واستند اليه الحاكم لتعزيز سلطته, وصارت عامل انشقاق وتصارع بين مركبات المجتمع ومختلف الفرقاء والشركاء في الوطن الواحد.
عندما تضغط الفكرة الدينية مجردة عن توازناتها ولا تضع الاخر في حماية الشرع والمقدس.. وعندما تضغط الفكرة الطبقية وتصر على الغاء الاخر ولا توازن ذلك برؤية تاريخية كأن تعطي لتشكيلة معينة دورا تاريخيا او ثوريا.. وعندما تضغط الفكرة القومية التي لا ترى الا نفسها وتدخل في حرب مع الاخر ولا تسعى لتفعيل المشتركات والمصالح المتبادلة, بل تشدد فقط على الخصوصيات ليتحول الصراع بين الجار والشعوب التي تعايشت طوال التاريخ مقدم على الصراع مع الاعداء التاريخيين .. عندما تضغط هذه الامور او بعضها, فاننا سنكون امام مجتمعات لا تفرخ سوى العنف والانشقاق والتخاصم والحروب, وان الوقائع والاحداث السياسية التي عشناها تكشف عن اهمية المناهج والشعارات التي على القوى والتيارات السياسية ان تتبناها.. فالمسألة ليست مجرد قضايا فكرية.. فالفكر سرعان ما سيتحول الى تربية وسياسة وقناعات واحكام.. وهذه مسؤولية مشتركة ولا تقع على فريق واحد.. بل تتطلب وعيا عاما ومشتركا.
الاقلية والاغلبية
اننا من القائلين باننا نعيش الى حد ما حالة من الفوضى الفكرية.. ورغم تصدي مفكرين من كل التيارات لاصلاح هذه الحالة لكن السمة العامة للفكر السائد في بلداننا ما زالت الفوضى الفكرية وضعف المناهج. فالفوضى الفكرية التي دخلت الينا او التي صنعناها لانفسنا, افرزت مفاهيم كثيرة تثير في جوانب عديدة منها الخصومة والانشقاق وتولد الاستبداد والظلم.. لنأخذ على سبيل المثال فقط احد المفاهيم وهو مفهوم الاقلية والاغلبية الذي لـه علاقة مباشرة بموضوعنا.. فهذا المفهوم الذي هو واحد من المفاهيم الضرورية لعمل النظام السياسي وتنظيم موازين القوى على صعيد السلطة, نقول ان هذا المفهوم تحول عندنا لا لتنظيم السياسة بمعناها التداولي والانتخابي بل ولا حتى لرؤية موازين القوى في استلام السلطة, بل تحول لتنظيم الاجتماع, وبث شتى المفاهيم والقيم لبناء هيكليات اجتماعية وتاريخية تنطلق من مفاهيم الاقلية والاغلبية… ففي السياسة يمكن للاغلبية او من يمسك السلطة وفق موازين القوى ان تصدر القوانين.. وستترصد الاقلية او القوى الاخرى الفرصة لتحاول في معركتها الانتخابية القادمة, او في انقلابها الجديد ان تتحول الى اغلبية او ان تنتقل الى السلطة لتتولى زمام الامور فتصدر القوانين والتشريعات التي تناسب فلسفتها وعقيدتها. لكن عندما تنتقل فكرة الاغلبية والاقلية من ساحة السياسة وموازين القوى فيها, لتصبح واحدة من المفاهيم الرئيسية لرؤية او تنظيم الاجتماع فان ذلك سيعني استبدادا دائما او دعوة لحرب اهلية مستمرة, خصوصا عندما تسود المفاهيم الاعتباطية لتحديد الاغلبية السياسية او الاجتماعية والذي تمت تحت غطائه كثير من اعمال القمع والاضطهاد..
صحيح ان الاغلبية الاجتماعية لا بد ان تعطي للمجتمع او للاجتماع سماتها ولا بد ان يضمن النظام الاجتماعي وبالتالي السياسي مصالح وثقافة الاغلبية.. اذ لا يعقل ان يتم الكلام باستمرار عن الاقليات وضمان حقوقها في حين ان الاغلبية الساحقة بقيت نفسها موضع اضطهاد وعزل.. واننا هنا لا يمكن ان نقبل بمنطق الاستعمار الذي لم يترك البلاد الا بعد ان اقام بنى وأعرافاً وقوانين صريحة كما هو الحال في لبنان, او ضمنية, كما هو الحال في العراق والتي تعطي الاولوية للاقلية بحجة حمايتها من الاغلبية, او تحت اية حجة اخرى.
اذن فان التأسيس الاجتماعي او التشريع التأسيسي للاجتماع يختلف في نظرته عن القواعد السياسية في تحديد مفاهيم الاغلبية والاقلية.. فعلى الصعيد الاجتماعي والتأسيسي فان الفرقاء, كل الفرقاء, يجب ان يجدوا مصالحهم مجسدة في التشريعات الاساسية التي يقوم عليها الاجتماع.. وان التطبيقات العملية يجب ان تضمن هذه الحقوق وانها ليست عرضة للتغيير بسبب تغير موازين القوى السياسية وانقسامها الى اغلبيات واقليات سياسية.
وهذا امر لم يلتفت اليه كثيرا وان التفت اليه فبشكل غير دقيق. في حين نعتبر هذه الموضوعات ذات بعد تأسيسي ومنهجي, وانها يجب ان تحتل اهتمام المفكرين والحركات والتيارات بما في ذلك التيار الاسلامي الذي من واجبه ان يقدم تصورا اصوليا لمفهومه السياسي والاجتماعي فيما يخص تداول السلطة وحقوق الاقلية او الاقليات السياسية.. ولكن ايضا تعريف دقيق ترتبط به تطبيقات فعلية لحماية مركبات المجتمع اغلبية كانت ام اقلية وضمان ان تجد حقوقها بغض النظر عن موازين القوى. عند تحقيق ذلك ستتوفر للمجتمع قاعدة متينة تسمح بتحقيق الاستقرار والقبول الاجتماعي والتي تستطيع ان تتحمل اختلاف وجهات النظر السياسية او الفكرية.. بخلاف ذلك فان اي خلاف سياسي سيتحول بالضرورة الى صراع وانشقاق اجتماعي, وهو الوضع الذي نعيشه اليوم والذي ندفع ثمنه جميعا اغلبيات واقليات, قوى حاكمة وقوى محكومة بكل المآسي والآلام وعوامل الضعف التي تزرعها هذه الاوضاع والتي تفسر الحالة التي نحن عليها اليوم.
الخلاف العقيدي او الفكري والصدام الاجتماعي
ادخل الفكر المعاصر كلمة المجتمع ليحلها مكان كلمة الاجتماع التي كانت هي المستخدمة في الادبيات الاسلامية والعربية.. ولم يكن هذا التطور في الاستخدام سيعني شيئا لو لم نسئ التعامل مع مفهوم المجتمع او الاجتماع.. فصرنا نتكلم عن المجتمع البرجوازي او المجتمع الفاسد او المجتمع الجاهلي او المجتمع الاسلامي وغير ذلك من مسميات. فمفهوم المجتمع society كما تطور تاريخيا لم يكن يعني كل الناس الذين كانوا يسكنون رقعة معينة, بل كان يعني في روما مثلا طبقة ملاك العبيد, او الذين يسكنون داخل اسوارها. وكان يعني في اوروبا الاقطاعية الارستقراطيين والنبلاء. وكان يجب انتظار القرن الثامن عشر, وخصوصا الثورة الفرنسية, لنرى اولى تجسيدات مفهوم المجتمع وهو يؤسس نفسه على نظرية الموقع والمواطنة.
وعندما انتقل الينا مفهوم المجتمع باعتباره نظرية الموقع والمواطنة وليس اجتماع العقيدة او الفطرة ورابطة الدم او العصبية فان ارتباكا شديدا اصاب شعوبنا وبلداننا.. فمن ناحية ما زالت رابطة العقيدة وصلة الرحم والعصبية (بالمعنى الخلدوني) قوية بل هي في حالات كثيرة تزداد قوة.. ومن ناحية اخرى لم نكيف مفاهيمنا الدينية او الفكرية لنواكب هذا الحدث المعاصر والهائل في مضامينه وابعاده. فصار بعضنا يتكلم عن هذه المجتمعات دون ان يأخذ في اعتباره اختلاف التأسيسات والقواعد القائمة فيها.. بينما اخذ آخرون يتكلمون عن المجتمع الانقلابي او المجتمع البرجوازي او المجتمع الفاسد او المجتمع الجاهلي او المجتمع الكافر . الفرقاء كلهم, كانوا يبذرون, في الواقع, دعوات قد تفلت وتتجاوز حدودها لتأخذ اشكال الهجوم على المجتمع كل المجتمع.. وهنا المنزلق الكبير الذي سيبرر لنفسه اساليب التصفيات وانتهاك الحرمات بشكل عشوائي تحت ظل غطاء عقائدي يعتقد به على الاغلب افراده رغم انه بني اساسا بشكل خاطىْ ومنحرف.
سنترك الى الاطراف الاخرى ان تقوم تجاربها وممارساتها لترى عوامل الضعف في دعواتها لتتحمل مسؤوليتها في هذه المسائل وفي هذه المرحلة الحساسة..
اما نحن فيهمنا ان نتكلم قليلا عن ممارسة سقط فيها بعض المسلمين والتي نعتقد انها تستحق التوقف والتأمل للابعاد الخطيرة التي تضمنتها وتتضمنها .
فالكلام عن الجاهلية في صدر الاسلام ليس نفس الكلام عن المجتمع الجاهلي في القرن العشرين.. والكلام عن الفساد الاجتماعي ليس نفس الكلام عن المجتمع الفاسد والكلام عن الكفار او التيارات الكافرة ليس نفس الكلام عن المجتمع الكافر. نعم نحن نفهم بعض التعميمات او الكلام المجازي الذي يتكلم عن مجتمع فاسد او مجتمع جاهلي لكن اتهام المجتمع كله بالجاهلية والفساد والكفر هو اعلان حرب على المجتمع وليس حصر الامر بتيارات او ممارسات فيه. وهذا هو الامر الاهم الذي نريد الاشارة والتنبيه اليه.. وهو امر اختلف فيه الشهيد الصدر مع تنظيرات بعض القوى الاسلامية العربية.. فعند تحديد هذا المفهوم كنقطة ابتداء فان سلسلة مفاهيم مشتقة ستقدم نفسها بعقيدة وممارسة قد تفلت من التشبيهات والتصورات المجازية والمحدودة لتنتقل الى مرجعية مطلقة في تشخيص الاعداء والبدائل وما نمثل نحن وما يمثل الآخرون.. فتقرر بالتالي اعتباطاً من يستحق الموت والحياة. وقد تكون مثل هذه الافكار نواة لظهور الفرق المغالية والمتطرفة وللدخول في صدام كلي مع الاجتماع او المجتمع كله.. ولعل انشقاق هذه الجماعات عن تلك التيارات التي رفعت شعارات المجتمع الجاهلي او غيرها سببه ادراك الاولى ان عملية التصادم بالمجتمع هو عملية خطيرة وغير دقيقة من الناحية المفاهيمية وبقاء الثانية على تصوراتها القديمة فاباحت لنفسها فعل ما تريد يشجعها القمع المضاد الذي تقوده السلطة والاوضاع المأساوية التي صارت عليها بلداننا والظروف الاقليمية والدولية التي تكتلت لمواجهة المسلمين والاسلام ومنعهم من ابسط حقوقهم السياسية والاجتماعية والفكرية. فقامت جماعات كثيرة وباسماء مختلفة وضعت نفسها او دفعت لان تضع نفسها في حرب مع المجتمع بمسلميه وغير مسلميه, وكذلك مع البشرية كلها لتقوم بقياسات خاطئة فتصور نفسها انها جمهور الصحابة الذي يقاتل تحت سيف الرسول الظالمين والكفرة. في حين نرى بان الرسول (ص) لم يرد العنف بالعنف بالضرورة, ولم يسقط تحت تأثير رد الفعل السلبي لاضطهاده وجماعته ولا للتعذيب والملاحقة بل اتبع اسلوب النصيحة والمجادلة بالتي هي احسن والموعظة الحسنة متبعا اوامر الله سبحانه وتعالى بقوله ]ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى[ او قولـه سبحانه وتعالى ] فإنما عليك البلاغ المبين[.. ]وذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر[. وانه لم يرفع السلاح ابتداء.. بل رفعه بعد ان لاحقته قريش بالسيف وبعد ان اسس مجتمع الهجرة الذي والاه طوعا واختيارا, وبعد ان انتشرت الدعوة واصبحت هي المجتمع او الاجتماع الجديد الذي تقف ضد شرعيته ليس المجتمع كله او اغلبه, بل قلة قليلة بوسائل القتل والارهاب والمعاندة..
لم يذهب الى المدن والقرى ليحل الدماء كما يشاء. ولم يؤسس حكمه بعد انقلاب او مؤامرة او بسبب التخويف والارهاب.. بل اقام الحكومة بعد ان صدق وعده بقوله ]اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا[. ولم يمتنع الرسول صلى الله عليه وآله في اي وقت من التعاطي والتفاوض والسعي للسلام الاجتماعي ودفع الخصومة والاختلاف كما يعبر عن ذلك حلف الحديبية التي كانت شروطه في غير مصلحته اذا ما اخذنا موازين القوى التي كانت لصالحه, وهو ما اثار احتجاج بعض الصحابة لاختلاط الامور عليهم.. ولكن اذا ما اخذنا الضوابط الدينية والاخلاقية فسنجد كامل المعاني التي دفعته لتوقيع هذا الصلح.. وهذه ممارسات يجب على المسلمين اليوم ان يتعلموا منها الدروس البليغة لا الاصرار على التصادم مع المجتمع والاجتهاد في معاداة الناس كما تفعل بعض الفرق والجماعات للاسف الشديد مخالفة بذلك اجماع علماء الامة ومراجعها السنية والشيعية على حد سواء..
لقد وضع الاسلام شروطا محددة وصارمة للتعامل مع الحكومات, خصوصا في حالات الصدام والمواجهة, وشروطاً لا تقل صرامة للجهاد والمجاهدة ومواجهة اعداء الامة.. فاذا كان الظلم يمثل قاعدة للرد الذي قد يكون بالصبر وانتظار دورة الايام او قد يكون بالنصيحة والعمل والدعوة والضغط السلمي او التي قد تكون بالهجرة() وترك المجتمع الذي يختلف معه, والتي قد تصل في ظروف محددة الى رفع السلاح ومواجهة العدوان بالعدوان, فان لذلك شروطا محددة وضوابط كثيرة . فهناك وسائل عديدة للمقاومة ولا يمكن اختيار اية وسيلة وفق المزاج والهوى. ولطالما اتهم المسلمون بانهم يبشرون بالخنوع والاستكانة لدعوتهم المستمرة بالتحلي بالصبر والاناة وعدم المبادرة والتسرع, بل اقامة الحجة واستنفاد كل الوسائل قبل اللجوء للحلول الاقسى والاصعب.. فهناك شروط تتعلق بتوفر القيادة وبنضج الظروف وبحالة الامة وبقوة او ضعف الخصم, اوضحها الاسلام بتفاصيل دقيقة, فكيف يستغل بعض المسلمين اليوم ظروف النهضة الاسلامية لكي يحاربوا الحرام بالحرام والظلم بالظلم والفتنة بالفتنة؟
ان المساهمة الايجابية لبناء وفاق وطني هو جزء من العملية الدينية وليس خارجها.. فالدين دعوة اصلاح وبناء للفرد وللمجتمع في ان واحد. وهذه المهمة هي من واجب العاملين في الحقل الاسلامي وان التهاون بها او الانسياق وراء انفعالات اللحظة وردود الفعل السلبية هو خطأ كبير يدفع ثمنه, ان وقع, اهل الدين, كما يدفع ثمنه الآخرون.. لكن الوفاق الوطني ليس مهمة فريق واحد.. بل هو مهمة جميع الفرقاء ومدى روح المسؤولية والوعي الذي يجب ان تتحلى به كل الاطراف ومدى الجهد الذي يبذلونه لتفعيل وتحريك كل العوامل الايجابية والبناءة والتي ستعود بالفائدة لابناء الوطن كلهم.

الهامش..
(1) «تجب المهاجرة عن بلد الشرك, على من يضعف عن اظهار شعائر الاسلام, مع المكنة, والهجرة باقية ما دام الكفر باقياً»(شرائع الاسلام: المحقق الحلي, ج1ص308).

١_1 ٣_1 ٢_1

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
8°
9°
الجمعة
10°
السبت

استبيان

الافتتاحية