Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

لعنة الكتابة لدى جوزيف كونراد

لعنة الكتابة لدى جوزيف كونراد
ادب وثقافة - 2:30 - 07/03/2016 - عدد القراء : 2499

إنّ العمليات الذهنية للخلق الفني، ستبقى غامضة دون شك مالم يكن ثمة حافز لها. ولنأخذ جوزيف كونراد مثالاً، فلقد انقسمت حياته على مرحلتين (حياته البحرية الحيوية المتنوعة، والحياة الأدبية غير المثيرة في لندن..) وهكذا كان إذن، فما الذي دفعه للكتابة؟ ولماذا كتب بالذات باللغة الإنجليزية، وهو البولندي الأصل؟!إنّ اللغة القومية لجوزيف كونراد هي اللغة البولندية. ولغته الثانية هي الفرنسية التي تعلمها وهو في الخامسة من عمره على يد مربيّته، ولم يتعلم اللغة الإنجليزية إلاّ في الثالثة والعشرين من عمره عندما التحق بالبعثة التجارية البريطانية. وليس ثمة ما يدل على أنّه كتب شيئاً باللغة البولندية، لقد قضى شطراً من حياته مع والده في المنفى. ولم يملك فرصة كافية لاستخدامها. وعندما كان بحاراً وكتب كثيراً عن البحر، وجد تلك اللغة عاجزة عن التعبير الفني. من جانب آخر؛ كان يجيد اللغة الفرنسية بطلاقة. وغالباً ما تظهر في أعماله الاصطلاحات الفرنسية وبشكل ملحوظ في عمله ” اللورد جيم ” وبشكل متناثر في مذكراته ” سجل شخصي ” وذكر فورد أنّ اكثر جمل كونراد التي تمتاز بالصعوبة والتعقيد كانت تُترجم مباشرة عن الفرنسية. صحيح أنّ فورد كاتب سيرة غير معتمد، بيد أنّه كتب الكثير في إطرائه. وعندما صور فورد نفسه مع كونراد وهما يتحدثان اللغة الفرنسية ويتعلمان قطعاً أدبية من أعمال فلوبير وموباسان ويحفظانها عن ظهر قلب، ويترجمانها إلى اللغة الإنجليزية، فإنّ بصمات تلك الأعمال كانت جليّة في بعض أعمال كونراد باللغة الفرنسية. وكما يقول الفرنسيون: إنّها تعبيرات عامة كافية لإظهار حب كونراد للغتهم.. وتبقى الحقيقة أنه كتب باللغة الإنجليزية. وأثار في ذلك دهشة كبيرة في شروع حياته الأدبية. وظهرت له مقالة في: North American Review كتبها السير هيوف كليفورد عام 1900، ذكر فيها أنّ كونراد يتمرن على الاختيار بين اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقد عانى كونراد من سوء الفهم هذا. واضطر أنْ يصحح سوء الفهم هذا في ” ملاحظة المؤلف ” في مذكراته ” سجل شحصي ” حيث يذكر: في حقيقة الأمر أنّْ مقدرتي على الكتابة باللغة الإنجليزية، هي مقدرة طبيعية اكتسبتها منذ ولادتي، فأنا أمتلك مشاعر الغرابة، ومشاعر القدرة الفائقة اللتين ورثتهما وأصبحتا جزءاً من كياني ولم تكن اللغة الإنجليزية بالنسبة لي مسألة اختيار أو تبنّ. وفكرة الاختيار لم تدخل ذهني أبداً، أنه تبنٍّ حسب – نعم هناك تبنٍّ. ولكنني أنا المُتبنَّى* من اللغة الإنجليزية الملهمة. وقد خرجت مباشرة من مرحلة التلعثم التي جعلت مني جزءاً كاملاً لها. وإنّْ اصطلاحاتها التي أؤمن بها كان لها تأثير كبير على مزاجي وأسلوبي وشخصيتي.فالعمل الذي أخبرنا عنه كان غامضاً، وغامضاً جداً بحيث لا يمكن شرحه.وعند الخوض في اللغة مرة أخرى، أدرك كونراد بعد حين، حديث البحارة الذين يمتازون بالقوة والعافية. واللغة الأدبية التي اكتسبها من كتبه المجلّْدة التي تحوي أعمال شكسبير وبايرون التي اقتناها أثناء مغادرته فلسطين. وفي البحر كل ما يقع بين يديه. ففي رواية ” زنجي النرجس ” نجد سنغلتون يقرأ بولوار ليتون الذي هو عبارة عن صورة كونراد نفسه. كما التقط روايات كتبتها مسز هنري وود ومس برادون. فضلاً عن قراءته صحفاً ومجلات لا حصر لها. قال كونراد مصححا للسير: “إنّْ اللغة الفرنسية هي لغة “بلّورية” بيد أنّْ فورد صاغ الفكرة بطريقة أخرى ” أنّْ تهمة كونراد للغة الإنجليزية كانت تنصب على أنْ ليس ثمة مفردة إنجليزية لها معنى واحد، ذلك أنّْ جميع المفردات الإنجليزية هي وسائل لإثارة عواطف غير واضحة المعالم. وربما يتهم فورد اللغة الإنجليزية للدفاع عن نفسه أكثر من الدفاع عن كونراد، وليس ثمة شك، أنّ اللغة الإنجليزية تعرض رؤية كونراد المعقدة عن الحياة. وابتداءً من كتبه المبكرة إلى ادوارد غارنيت Garnet Edward . يقول كونراد:”كل الخيالات…. وكل صورة تطفو بغموض هي في بحر من الشك، وحتى الشك نفسه ضاع في عالم لم تُسبر أغواره بعد؛ إنه عالم محير..”.ومثل هذه الرؤيةغير واضحة المعالم، تحتاج إلى مفردات غير واضحة المعالم هي الأخرى، وهذا يشرح توضيح كونراد. إنها اللغة التي تبنته! وليس هو الذي تبنى اللغة.في الفصل الرابع من “سجل شخصي” يوضح لنا كونراد أمراً محققاً: كيف أنه كتب روايته الأولى “الماير المجنون” التي تظهر قدرته الخيالية بتوظيف ذكرياته.ففي يوم ما، التقط قلمه ليشرع بالكتابة، وبيّْن: “ليس ثمة علامات جنون جميلة “، ولم يكن في عجالة من أمره ليعوم في كتابة حياته. وإذا كان قد عام، فإنه لا بد وأن تكون محاولته الأولى التي من الممكن أن توصف، بمزاج من الخضوع التام للبلادة. كان يفكر في الماير، وربما بسبب الضباب المتعدد الألوان في تلك اللحظة، الذي يحجب محل إقامته في بيسبورو غاردنز، والتي تشبه تماماً المنطقة المحيطة بالمرفأ الذي يبعد أربعين ميلاً عن نهر بورتين، حيث شاهد أول مرة الرجل قبل سنتين من كتابته ” سجل شخصي 69-73″ وقد سمع به كونراد كثيراً قبل ان يلتقيه، وكان غالباً ما يبحر نحو الشرق. كان الرجال يشيرون إلى ” الماير ” وهم يبتسمون، كان رجلاً غريباً، يحتفظ بأوزة معه. وهو مدير منجم الفحم، الذي لا يمكن العمل فيه بسبب وجود أشباح شريرة في داخله. ومع هذا كان رجلاً ناجحاً بتفوق، وعلى استعداد لتوضيح الحقيقة، وقد رآه كونراد، لأنه عندما كانت سفينته تحمل مهراً صغيراً، ذلك المهر الذي تأرجح وفقد توازنه وسقط حالاً في المياه، أطار صواب الماير وولى هارباً في الغابة ولم يخرج منها. وتحدث بطريقة غير مباشرة متجنباً الإجابات الواضحة. ومرة دعا كونراد لدعوة عشاء، ووجد كونراد أنه من المستحيل أن يعتذر. وكان المالك الوحيد لسرب الأوز في الساحل الشرقي مسؤولاً عن وجود أربعة عشر جزءاً لحد الآن “سجل شخصي 87 “.وقد قرر كونراد بوضوح، عندما شرع بالكتابة أن يكوًن في ذهنه صورة دقيقة عن الماير، حيث يرتدي قميصاً قطنياً خفيفاً دون أكمام، وسروالاً فضفاضاً مخططاً باللونين الأزرق والأخضر، له شعر أسود تتناثر خصل منه على جبهته “74-75″. هذه هي نقطة شروعه. وقد اعترف فوكنر أنه قد كتب قصة مشابهة له.” القصة بالنسبة لي تبدأ عادة بفكرة واحدة، أو ذكرى، أو صورة ذهنية، وكتابة القصة ببساطة تبدأ بالبحث عن تلك اللحظة لتشرح بعد ذلك كيف حدثت؟ وما هو السبب الذي يعقب ذلك.. وقد أكد كونراد الشيء ذاته:” إنني أكتب ” باتجاه التقاط حادثة أو مشهد أراه. هذه المشاهد جلية، وغالبا ما يرسم كونراد صورها ويخطط بيانّيا لها في مخطوطته، ثم يقرر تأليفها روائّيا، وأحيانا يقطع الكتابة ليشُرع واقعة، أما بمفرده أو بمساعدة زوجه. واستخدم بروست مثل هذه اللحظات من الذكريات (الانثيالات) والزمن. وقد صنف: ” البحث عن الزمن المفقود ” بالصور. (كانت المزهريات مثالاً جيداً هيّجت شذا الماضي) ويربط اللحظات بامتداد انفصالها. وفي قطعة مشهورة في الجزء الأول حلل الطريقة التي استخدمها في آخر حياته. طعم البسكويت La Petite Moderation الذي اعتادت عمته أن تقدمه له عندما كان صغيراً جداً، يتذكر كل هذا بتفاصيله طيلة حياته الماضية. وخارج مثل هذه الذكريات صاغ بروست عالماً فنياً متكاملاً، تماماً مثل ورقة توت مصنوعة من فتات منقوع في الماء. الأسلوب الياباني! تمتد ثم تنحني، ترتدي الثياب ذات الألوان والأشكال المميزة، ألوان الأزهار، والبيوت، والناس ألوان ثابتة ومميزة. وكذلك مع كونراد وذكرياته المرئية حيث تنمو رواياته من خلالها. إذن، كيف تبنى الرواية حول مشهد يعتمد على الذكرى؟ وفي موضوع الماير فإنّ البناء الروائي قد بدأ بعد سنتين من اللقاء المنعش معه. ثم استمر العمل به بعد أربع سنوات. ويعلمنا كونراد، ماذا كان يدور في ذهنه عن الماير في ذلك الزمن. كان غالباً ما يفكر به. وقد عبر بطريقة خاصة أنه كان مسكوناً بالماير.. كان يظنه رجلاً قد أخفق، رجلاً جاء إليه أول مرة من على شفاه الرجال، مجرد من الهيبة، عن طريق الابتسامة الغريبة للرجال، اسمك هو قبضة ريح تطفو فوق مياه خط الاستواء. هذا هو تحليله لشخصية الماير التي توحّد بها حينما ابتدأ بالكتابة.” أتدثر مع الماير بعباءة ملكية في خط الاستواء واضعاً في فراغ الصوت، ذلك الصدى المبرح.. (سجل شخصي 88) فإذا كان في حقول بهيجة، فإن الماير يعاني، إن تلك الصورة هي تحريف قاس واستخفاف بجدارته. وكونراد هنا، لا يملك إلا جواباً واحداً ” إنني أؤمن بك، طريقة وحيدة، تمكنني من تصديقك.. فأنت دائماً رجل غير محظوظ أيها الماير، لا شيء أبدا يستحقك! والذي جعل منك شخصية حقيقية نسبيا، ذلك انك تمسك بهذه النظرية السامية بقوة الايمان والاعجاب الثابتتين..(سجل شخصي 88) وهنا يبلغ ارتياح كونراد التام في أن الماير – كان رجلاً قد أخفق. ولكنه يؤمن بدون اهتزاز أنّ الحياة قد خذلته، وإذا كان الماير ” متلبسا ” كونراد بعد أول لقاء له معه، فيجب على كونراد أن يقضي عدة ساعات مع شبحه. فقد أعطاه الثيمة التي لازمته إلى آخر عبارة كتبها في رواية الماير. وتمنحنا شاهداً عن صورته في شخصية هايست في رواية Victory، التي تمثل شخصية والده. وتزودنا بمعلومات عن شباب كونراد. ومن مذكرات كورزينيوسكي ذلك الأرستقراطي والموهوب المطارد صاحب القيم المثالية، المنفي، المحطم الذي وافاه الأجل في وارشو. وعندما فكر كونراد بموكب الجنازة الصامت الحاشد والتي كانت جنازة والدته برهانا لرجل ليس ثمة شك في إخلاصه للفكرة السائدة، فكرة بولندا حرة..وقد وضع كونراد فكرة الإخفاق تلك بطريقة لا تتناقض مع الإخلاص الصائب لفكرة والده. وعكف على كتابة الماير لمدة أربع سنوات ونصف، وقد صاحبته المخطوطة في زيارته إلى عمته في روسيا، وحتى في ذهابه إلى الكونغو ثم إلى ستانلي فوس. وقال كونراد، في هذا الوقت إنه لم يطرد الكتاب من ذهنه أبدا حتى عندما كان على وشك وضع اللمسات الأخيرة له (سجل شخصي 68) والرواية بشكل أساس عن رجل خذل نفسه وغدر باستقامته، وهي أول رواية لكونراد يستقر أبطاله على أرض صلبة. وسمح كثيراً لرجل عجوز يدعى توم لنغارد أن يتخذ قراراً مهماً له، بدلاً من أن يصنفه هو بطريقته في الحياة، مخدوعاً ببريق ثروة لنغارد المحتملة. (ويعلمنا كونراد أنه كان موهوباً بخيال قوي وفاعل ورأى ما يشبه ضياء مذهلاً لبنايات براقة هائلة. وقد قبل الإرث شريطة أن يتزوج ابنة لنغارد السوداء المتبناة. ومن هذه الغلطة الخام برزت كل مصائبه التالية، بالغة الذروة إثر هجره تلك الفتاة.فالوحي الذي سببته بالأساس قوة الذكرى المرئية للماير وعالمه جعل كونراد يبني قصته عن فكرة الخداع النفسي. ورواية الماير المجنون هي أول رواية من عدة روايات لكونراد تتعامل مع السقوط.أعلن كونراد بيانا مكشوفا عن أهمية خلق رواية (الوكيل السري) عبر عشر سنوات وظهرت الرواية عام 1907 بيد أنّ (ملاحظة المؤلف) تخبرنا أنها كُتبت عام 1920، ويبدو أننا توهمنا أنها شبيهة تماماً بالماير المجنون، وتعرض أيضاً ومضة أخرى في عملية الغموض في الخلق الفني.وتعلمنا الرواية أيضاً كيف أنّ كونراد كان يتناقش مع فورد عن جنون الفوضى، مروراً بالحالات الخاصة، فإننا نستحضر القصة القديمة لمحاولة طعن (غرينوش أوبزرفيتوري) وأشار كونراد أنّْ الاعتداء ” الإهانة ” لا يمكن أن يكون سلطة العقل في أية حال من الأحوال، والذي يعني أنه من المستحيل أن نسبب أي دافع أو معنى إلى ما يسمى بعدم الإحساس بجزء من العنف، بيد أنّْ فورد شرح الحادثة بهذه الكلمات.. أوه! أنّْ ذلك الشخص كان نصف مجنون! وانتحرت شقيقته بعد ذلك.. وهذا أعطى كونراد الإشارة الأولى لكتابة مشروع رواية. إنّْ إضاءة هذه الكلمات أشعرته كما لو أنه يمشي خارج الغابة للوصول إلى السهل. ومكث لمدة قصيرة يتأمل الكلمات والحادثة بطريقة سلبية.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

ملحق العدالة

Screenshot 2024-06-17 at 04.54.21

استبيان

الطقس في بغداد

بغداد
44°
42°
Fri
42°
Sat
الافتتاحية