Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

أعمال قديمة/جديدة… الديمقراطية: بوجهيها المسالم والمتوحش

أعمال قديمة/جديدة… الديمقراطية: بوجهيها المسالم والمتوحش
أعمال قديمة جديدة - عادل عبد المهدي - 17:07 - 11/12/2021 - عدد القراء : 537

أعمال قديمة/جديدة

الديمقراطية: بوجهيها المسالم والمتوحش

مقال نُشر في 15/6/2000 في مجلة “المجلة” الاسبوعية اللندنية، يعالج موضوعة الديمقراطية.

احتفظنا بالعنوان الذي نُشر تحته آنذاك وهو “نمتلك مقومات أرقى لتحقيق الحريات والحقوق.. ولكن؟؟”، واضفنا اليوم لتوضيح الفكرة أكثر عنواناً ثانياً وهو “الديمقراطية: بوجهيها المسالم والمتوحش”. فالمقال على قصره يسعى لتوضيح وهم أو غبش يسود في الكثير من الثقافة السياسية السائدة محلياً وعالمياً، يتكلم عن الديمقراطية من جانبها المشرق -وهذا صحيح- دون الكلام عن جانبها الآخر المتمثل بكلفها وشروطها وهجوميتها -وهذا صحيح ايضاً لكن نادراً ما يتم الكلام عنه-. فالديمقراطية اداة ووسيلة للحكم والتحكم، قبل أن تكون عقيدة مثالية منزهة. فالديمقراطية لا تعمل بدون وجود معادل أو معوض أو مقابل. فليس كل الديمقراطية حقوق، بل فيها واجبات. وليس كل الديمقراطية أخذ ، بل فيها دفع. وليس كل الديمقراطية حريات وعدل، بل فيها ضوابط وتقييدات وعقوبات وظلم. وليس كل الديمقراطية لمصلحة الجميع، بل فيها المستفيد والمتضرر. ففي الديمقراطية وجه متسامح ،وآخر عنيف، ووجه منفتح ،وآخر مغلق، ووجه مسالم ،وآخر متوحش. وبعد أن نشرنا هذا المقال يومذاك، طالبنا البعض -في وقتها- بالكتابة عن علاقة القبيلة بالديمقراطية للطبيعة القبلية لمجتمعاتنا. وهو ما سننشره في المرة القادمة. وقد فضلنا نشر المقالين بالتتابع للعلاقة بينهما. فلن يتم فهم المقال القادم بدون فهم المقال الأول ،والعكس صحيح.

عادل عبد المهدي

11/12/2021

الديمقراطية: بوجهيها المسالم والمتوحش
“نمتلك مقومات أرقى لتحقيق الحريات والحقوق..ولكن؟؟” 

عادل عبد المهدي 

مجلة “المجلة” اللندنية

 15/6/2000

عندما طرح الامبراطور الروماني قسطنطين اصلاحاته باعطاء المرأة بعض حقوقها، انبرى له أحد الشيوخ قائلاً: ومن الذي سيقوم بعملها؟ فاجاب قسطنطين: المتيك، أي الغرباء، والعبيد..
وعندما يحلل ماركس الديمقراطية فإنه لا يراها سوى دكتاتورية الأقلية على الأغلبية . لذلك يدعو لدكتاتورية البروليتاريا، أي ديمقراطية الأغلبية على الأقلية .
وعندما ظهرت النازية والفاشية التي كانت –وما زالت – منتشرة انتشارا واسعاً، باشكال متعددة، في عموم العالم الغربي، فان التعبير الأدق الذي قيل في تعريفها، إنها “الرأسمالية في ازمتها”. بكلمات أخرى فإن الوجه الديمقراطي سيظهر في مواقع البحبوحة، والذي يستبطن وجها عنيفا مستبداً في مواقع التأزم.
وعندما سعت الديمقراطيات الشعبية في التجربة الاشتراكية لتطور من مجتمعاتها فإنها لم تجد أمامها سوى المزيد من الضبط والكبح ومعسكرات العمل القائمة على القناعة أو القسر، والتي أخذت اسم التعاونيات أو”الكولخوزات” أو “السوفخوزات”.
وعندما أرادت”اسرائيل” القائمة على أعلى اشكال الأنظمة الديمقراطية، ونقصد بذلك النظام التمثيلي النسبي الذي لن يخاف من أن يعطي أربعة أو خمسة مقاعد من خشب لنواب عرب في الكنيست، بعد أن تكفل نظامها الاستيطاني بأخذ الأرض وطرد الملايين من حقولهم ومدنهم وقراهم، والاستيلاء على مياههم وتدمير مقومات عيشهم وتنظيمهم، نقول عندما ارادت “اسرائيل” أن تؤسس دولة على أنقاض فلسطين، فإن قاعدتها لذلك كانت تجربة “الكوبوتسات”، التي ما هي سوى مستوطنات (عسكرية زراعية) يرى فيها اليهود امكانيات تحقيق حريتهم واجتماعهم على حساب استعباد وتدمير اجتماع غيرهم.
وعندما اصبح بامكان الغرب أن يتمتع اليوم بحريات واسعة فلأنه تمتع لفترة طويلة، وما زال، باستعمار عنيف استعبد فيه شعوبا ،وأممًا استطاع أن ينقل إليها الكثير من عنفه ودكتاتوريته، ليستطيع ان ينقل إلى مراكزه ومتروبولاته الكثير من مكاسبه، وبالتالي أن يقيم لديه كثيرا من استقراره وحرياته.
وعندما قننت الحرية بتقنين قواعد الخيار. فإن حدود الحرية لن تتعدى في واقعها العملي -وليس اللفظي- دائرة ليست، بالضرورة، اكثر تطوراً مما عرفناه منذ عدة قرون، والتي اخذت اسم أهل “الحل والعقد” أو دوائر “الخاصة” وعلاقتها بـ”العامة”. دوائر تقننها مفاهيم المصالح، بصياغاتها التاريخية والمؤسساتية، لتتحدد ابعاد اللعبة الديمقراطية، او الخيارات الشعبية، في اعطاء “البيعة” أو حق “النيابة والتمثيل” لواحد من اثنين لن يخرج عنهما: جمهوري أو ديمقراطي، عمالي أو محافط، يميني أو اشتراكي.
أو عندما ارتبط مفهوم الحرية بمفهوم التمتع واللهو، فاصبحت الحرية تعني حرية اختيار الاعمال غير المرهقة، او الحرية في قضاء أوقات متزايدة من الفسحات والاجازات الفردية أو الجماعية، فإن الاعمال المرهقة والشاقة والقبيحة كالعمل في حقول البن أو السكر، أو أعمال التنظيف والبناء، أو النزول إلى المناجم وغيرها لا بد أن تقوم بها، اما الفئات المهمشة داخليا أو اليد العاملة الأجنبية المستوردة، التي أخذت عبر التاريخ المعاصر أشكالا متعددة، ابرزها استيراد العبيد من افريقيا والتي تطورت لاحقا، وفي ايامنا هذه، لاستيراد البلدان الأكثر تطورا للعمالة من البلدان الأقل تطورا، والأكثر فقرا، والأقل حقوقا.
فالديمقراطية لها معادل، إن غاب الأخير غاب الأول ، وإن توفر الثاني تحقق الأول .
والديمقراطية لها قواعد وضوابط. وقاعدتها ومبدؤها ليست الحرية، بل الحدود والضوابط، التي بتعريفها يتم تعريف حدود الحريات، التي يمكن لأي نظام أن يوفره ويحققه.
هذا الكلام لا يعني أن الديمقراطية هي الدكتاتورية مجردة. إنه يعني أن هناك جانبين، وأن لكل حق مقابلا ومعادلا. وان حجم الأول ، يعتمد على حجم الثاني.
وفي بلداننا وقفنا أمام تجربتين:
الأولى ، سعت لتطبيق الديمقراطية، بصدق أو بسوء نية مسبقة. فلم تقدم لنا سوى الدكتاتورية أو الفوضى في الحالتين. فباسم الديمقراطية، صرنا نختار رؤسائنا بنسبة 99،9%. وصارت لنا برلمانات، إما كلها إجماع أو برلمانات يختار الحاكم الأغلبية ليختار الشعب الأقلية . وصارت حقوق الاجانب أكثر من حقوق المواطنين. وأصبح الناس رهائن لحكامهم. وأصبح الحكام رهائن إما لشهواتهم، أو لاسيادهم، أو للاثنين معا.
ولكي لا نظلم أحدا نقول : بإن المسألة هي ليست مجرد نوايا. بل هي مسألة ان المعادل ضعيف ،وضعيف للغاية. فنحن لا نمتلك خارجا نعول عليه. وقد دمرنا بأيدينا ، من داخلنا، مقومات كثيرة كانت تسمح ببناء معادلات ،وأنظمة تضمن توفير حريات وحقوق أعلى مما نتمتع به اليوم، إن كنا أصلا نتمتع بشيء ما.
وإن أي كلام عن جانب ،وإخفاء الآخر هو عملية مخادعة. فالمجتمع هو حقوق وواجبات ،وأعباء ،ومسؤوليات. فيه نظام وأمن. وفيه جهال وراشدون. وفيه قاعدون وعاملون. وفيه حرب وسلم. وفيه حاضر ومستقبل. وفيه طموحات وأطماع .
الديمقراطية الغربية تطورت وسط ظروفها. ويخطىء من يتصور بأنها نظام يقوم على الحرية المجردة فقط. إنها نظام منضبط ومقنن للغاية. وإن حجم ديمقراطيتها الداخلية يقاس بحجم دكتاتوريتها الخارجية. ذلك دون الكلام عن اشكال الاستبداد الداخلي، التي لا يلقى عليها الضوء عادة.
صحيح إن تقادم التجربة والتطور العلمي وتطور الأتمتة ،والاساليب التكنولوجية والإدارية ، قد وفر امكانيات تطوير الخيارات. أو تطوير الحقوق بالاعتماد المتزايد على مكاسب الماضي، وعلى قوى أخرى اضافة لقوى الانسان. لكن هذا التطور لم يغطِ، إلى يومنا هذا على الأقل ، حتى تطور الحاجيات والمتطلبات المستحدثة، فكيف بالحاجيات والمتطلبات الأساسية التي تعتمد على الانسان وجهده وقيامه بأعماله ،وواجباته.
إذن تبقى مسألة المعادل والضوابط مسألة اساسية وجوهرية. فالحقوق والحريات ستكون بالضبط بمستوى المعادل الذي يستطيع أي مجتمع أن يضعه لتحقيق واجباته وأهدافه ، في اطار الضوابط التاريخية والمؤسساتية التي تضمن استمرار عمل النظام.
وهو ما يضعنا أمام التجربة الثانية.
في الحالة الاسلامية، كان لا بد للتجربة لكي تعرف مستوى الحريات والحقوق ان تعتمد على معادلين وضابطين في آن واحد.
المعادل أو الضابط الأول ، هو السعي لالغاء كل أشكال العبوديات عبر العبودية لله وحده لا شريك له. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فالله سبحانه وتعالى هو، في آن واحد، قوة ضبط وتحرير لا حدود لها.
أما المعادل أو الضابط الثاني، فهو السعي لتحصين الجماعة والفرد في آن واحد، لتسير حقوق الفرد والجماعة وواجباتهما في خط طردي، وليس في خط عكسي، يؤدي إلى تغييبها وفرط عقدها، لنصبح أمام فرد يستبد بجماعته، أو أمام إجتماع يسحق أفراده . فالعبادات باشكالها الجماعية والفردية، تكفل انسجام وتكامل الاداءين. وهذه تربية وقواعد تنظيم متكاملة، أخذت و لا بد أن تأخذ أشكالها، في الممارسات الاجتماعية والسياسية والإدارية وغير ذلك من شؤون.
التجربة العربية والإسلامية غنية بما أفرزته من هذه الاشكال والممارسات، التي ما زال بعضها يتمتع بحيويته وفاعليته ولا يغيبها أول يضعف من دورها وامكانيات تطورها سوى ممارسات الاستبداد، أو النظرات الاحادية والمستلبة التي فقدت الثقة بنفسها وبتاريخها.
فاذا كان التشاور بين رؤساء القبائل قبل الذهاب إلى الحرب في المرحلة الاغريقية، قد شكل البذرات الاولى لنشوء الديمقراطية الغربية، بل لنشوء المصطلح أصلًا ، فان لدينا في تجربتنا العربية والاسلامية الكثير من المؤسسات والممارسات التي تحمل كلها امكانيات تطوير نظام اجتماعي يستطيع أن يموضع مسألة الحقوق والواجبات الفردية والجماعية بانسجام وتكامل وعدل، يفوق بكثير تلك التجارب، التي لا يمكنها العمل، إلا بمعادل أو ضابط، يُعتبر فيه حرمان الأغلبية أو الجماعة شرطًا لازما لحرية وتمتع الأقلية أو الفرد.
انتهى

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
3°
11°
الأربعاء
10°
الخميس

استبيان

الافتتاحية