Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

ذكريات بغدادية عن الصيف

ذكريات بغدادية عن الصيف
الأخيرة - 16:57 - 20/05/2015 - عدد القراء : 1593

بين الأمس واليوم

لعل أكثر شيء علُق بذاكرة بغداد، هي تلك العلاقات الوطيدة التي تربطها مع موسم الصيف، وهي في عمومها علاقات ودّ وصداقة والفة رافقتها العديد من الطقوس والعادات، وربما كان الفقراء، وهم الكثرة من سكان العاصمة، أشدّ تعلقاً بهذا الموسم وإنتظاراُ لأيامه (السعيدة) حتى شاع القول المأثور بين الناس (الصيف صديق الفقراء).والحقيقة فإن هذا القول صحيح جداً، ولكن صحته في حدود مرحلته الزمنية قبل أربعة عقود  أو خمسة أو أكثر، ففي هذا الموسم الذي ترتفع فيه حرارة الجو إلى أكثر من 50 درجة مئوية في أغلب الأحيان، تحصل العائلة بالمقابل على إمتيازات لا يُستهان بها، حيث تنتفي الحاجة إلى تلك الوفرة من الأفرشة والأغطية والملابس التي يقتضيها فصل الشتاء، كما تستغني العائلة عن إستهلاك وقود التدفئة، فيما تمتلئ الأسواق بأنواع الفواكه والخضار الصيفية زيادة على الرقي والبطيخ، وبأسعار زهيدة، وكانت الكثير من الأسر الفقيرة تكتفي بأرغفة الخبز مع الرقي أو البطيخ أو الباذنجان المقلي وجبةَ رئيسة للغذاء أو العشاء أو كليهما.    إن نظرة متأنية إلى خارطة التغيرات السريعة التي شهدها العراق خلال العقود الخمسة الأخيرة من القرن الماضي، تؤكد بأن الصورة الحالية لم تكن كما كانت عليها، ولم يعد الصيف على حد تعبير الباحث التراثي مجيد عبدالهادي يعترف بصداقاته القديمة، ذلك لأن العائلة في السابق كانت تنظر إلى الصيف بعين الإرتياح لأنها كيفت نفسها لأجوائه عبر العديد من (الإحتياطات)، في مقدمتها اسلوب العمارة أو طرز البناء الموروثة، فقد كان (البيت القديم) يعتمد على جدران سميكة قد يصل عرضها إلى المتر، تعُدُّ مصداً عملياً للحرارة، ولها القابلية على امتصاصها بسبب مواد البناء، كما أن الباحة الداخلية (الحوش) المفتوحة على الفضاء الخارجي مباشرة تسمح للتيارات الهوائية الباردة أن تستقر في الأسفل لأنها ثقيلة، في حين يتصاعد الهواء الساخن إلى الأعلى ويتسرب عبر فضاء البيت المفتوح، لأنه أخف وزنا، وهكذا تجري على الدوام عملية دوران وتبادل للتيارات، فالهواء البارد يأتي من الفضاء المفتوح ويستقر في باحة وغرف الدار في حين يرتفع الهواء الساخن، والحقيقة فأن الكثير من التفاصيل المعمارية تساعد العائلة على مواجهة الحرارة الشديدة فهناك (المجاز) الطويل الذي يؤدي دور [المضيق أو المعبر أو الوادي المنخفض] الذي تتجمع عنده وتمر منه التيارات الهوائية الباردة بصورة مركزة وكان هذا المجاز جزءاً رئيساً من التركيبة المعمارية وكان سكان بغداد يتخذون من هذه (المجازات) أماكن مفضلة لنومة الظهر أو القيلولة حيث يترك الباب الخارجي مفتوحاً على الزقاق الخارجي وتقوم مقامه ستارة من القماش تعلق في مقدمة المجاز أو بعد الباب مباشرة تسمح بدخول الهواء. وفي هذا الاطار يستعيد الحاج أحمد عبدالخالق (93سنة) صورة الصيف البغدادي أيام زمان وبالذات قبل أن تعرف العاصمة الكهرباء، فقد كان البغداديون يلجأون إلى وسائل عدة منها إستخدام (المهافيف)، وعند النوم ظهراً يغطون أجسامهم بقماش خفيف (ململ) بعد رش الماء عليه، أما المنازل التي كانت تحتوي على السراديب فيقضي أوقات الظهيرة في داخلها لما تتمتع به من برودة كونها بعيدة عن حرارة الشمس وتدخلها التيارات الهوائية من خلال فتحات عمودية تدعى (البادكيرات) تبنى مع الجدران حيث تكون نهايتها عند السراديب وفتحتها العلوية عند السطح، وعادة مايجري تناول الغذاء والنوم ظهراً في هذه السراديب، ومن غير أن أنسى السباحة على دجلة وإستئجار الزوارق النهرية عصراً أو ليلاًً السيدة آمنة عبدالوهاب (69سنة) تستكمل صورة الصيف البغدادي بالإشارة إلى النوم على (السطوح) ليلاً لأن سطوح المنازل في غالبيتها من أعمدة الأشجار وجذوع النخيل ومغطاة (بالبواري- جمع بارية) التي تكسوها طبقة من الطين الممزوج بمادة (التبن) ومع غروب الشمس يجري رش السطح الطيني (الترابي) بالماء مرة أو مرتين وهو الأمر الذي يلطف الجو و (يطرد الحرارة) ويمنحه شيئاً من البرودة وعادة ماتتولى ربة البيت وبناتها نقل الافرشة إلى السطح [كانت أغلب المنازل مزودة بغرفة صغيرة على السطح عند نهاية السلم تدعى (البيتونة)، تستعمل لحفظ الأفرشة في الصيف] حيث تجري عملية بسط الافرشة في وقت مبكر من الليل لكي تكون باردة نسبياً بعد ثلاث أو أربع ساعات إستعداداً للنوم، وتذكر السيدة عبدالوهاب بأن العادة جرت كذلك- بسبب عدم وجود الكهرباء- أن تتولى ربة البيت نقل قدور وصحون الطعام إلى السطح وقد أستمرت هذه العادة حتى بعد وصول الكهرباء إلى عدة سنوات لأننا لم نكن نعرف أجهزة التبريد، وأول ما عرفناه من هذه الأجهزة هي (المراوح المنضدية)، أما قبلها فكانت العوائل تستعمل (العاقول) بوضعه على الشبابيك ورشه بكميات كبيرة من الماء.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
3°
11°
الأربعاء
10°
الخميس

استبيان

الافتتاحية