Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

إليزابيث بيشوب.. التحليق نحو القمر

إليزابيث بيشوب.. التحليق نحو القمر
ادب وثقافة - 0:26 - 08/03/2016 - عدد القراء : 2084

هي واحدة من أهم وأكثر شاعرات أمريكا تميزاً وتأثيراً في القرن العشرين. حظيت بتقدير أدبي كبير، ونالت العديد من الجوائز الرفيعة، إلا أنها تحولت إلى أحد الرموز الأدبية في الولايات المُتحدة بعد وفاتها عام 1979، ويعتبرها الجيل الحالي من شعراء أمريكا وإحدى الرائدات المُلهمات، ويعترفون بتأثيرها في أشعارهم. المُدهش أنها كانت بعيدة عن الأوساط الأدبية أغلب فترات حياتها، وكانت قليلة الإنتاج الأدبي، لم تكتب سوى مئة قصيدة فقط في حياتها، ولكن قصائدها اتسمت بالدقة الشديدة، والأداء اللغوي الرفيع، والأفكار المُدهشة. وكانت الفكرة المُسيطرة على أشعارها هي البحث عن الهوية المفقودة، ومحاولة البحث عن انتماء. ولدت إليزابيث بيشوب في ولاية مساتشيوستس عام 1911، لأب ثري يعمل في مجال البناء. مات الأب قبل أنتتم عامها الأول من العمر، وأُصيبت والدتها بمرض عقلي بعد سنوات قليلة، وتم احتجازها في أحد المستشفيات العقلية حتى وفاتها. عاشت الطفلة إليزابيث حياة سعيدة مع جديها لأمها في مزرعتهما، ودارت معظم أعمالها حول تلك الفترة من حياتها. لكن هذه الجنة تحولت إلى جحيم حين حصل جداها لوالدها على حكم قضائي بحضانتها. لم تشعر بالسعادة في الإقامة مع عائلة والدها، رغم الثراء الشديد. اكتنفها شعور بالوحدة بعد انفصالها عن جديها لأمها، كما أصابها مرض الربو في تلك الفترة من حياتها، ولازمها حتى آخر أيامها. ولقد تناولت مشاعرها وعرضت حالتها النفسية في تلك الفترة في قصيدتها الشهيرة «في غرفة الانتظار».التحقت إليزابيث بالمدرسة، ودرست الموسيقى، ونشرت أولى قصائدها في مجلة المدرسة الثانوية. التحقت بالكلية في عام 1929، وخططت في البداية لاستكمال دراسة الموسيقى حتى تصبح مؤلفة موسيقية، إلا أنها تخلت عن هذا الحلم بسبب رهابها من الوقوف أمام الجماهير. اتجهت بعد ذلك لدراسة الأدب الانجليزي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وبدأت تكتب الشعر وتنشر القصائد في العام النهائي لها بالكلية عام 1934، وساهمت في إنشاء مجلة أدبية بالتعاون مع بعض الأصدقاء.نشرت إليزابيث ديوانها الأول «شمالاً وجنوباً» عام 1946، ورغم أن طبعته الأولى كانت ألف نسخة فقط، إلا أن الديوان لفت انتباه النقاد وأثار إعجابهم بشدة، وكتب عنها الناقد الشهير حينها؛ راندل جاريل، وأشاد بموهبتها وقدرتها على الوصف واستخدام اللغة بمهارة. وبعد تسع سنوات، أصدرت ديوانها الثاني «ربيع بارد»؛ وضمت معه قصائد ديوانها الأول. وفي عام 1965، بعد عشر سنوات كاملة، أصدرت ديوانها الثالث «أسئلة السفر». وفي عام 1969، أصدرت «الأعمال الكاملة»، وهو كتاب يضم قصائدها القديمة، إضافة إلى ثماني قصائد جديدة، ونالت عنه جائزة الكتاب الوطني عام 1970. وهو آخر كتاب شعري يصدر في حياتها، إذ صدر كتابان بعد وفاتها، الأول بعنوان الأعمال الكاملة عام 1983، والكتاب الثاني يضم مقالاتها عام 1984، وكتاب «الأعمال المُختارة» عام 2006، وديوان «قصائد» عام 2011. كان السر وراء قلة إنتاجها الأدبي هو شغفها بالسفر إلى حد الهوس. بمجرد أن بلغت سن الرشد وتمكنت من الحصول على ميراثها الكبير من أبيها، استخدمت المال في السفر شرقاً وغرباً، وقامت بزيارة العديد من البلاد، جربت الإقامة في مدن عديدة، حتى قررت الإقامة الدائمة في باريس في منتصف الثلاثينات، واقتصر احتكاكها بالمجتمع الأدبي هناك على عدد قليل من الأفراد. قررت العودة إلى الولايات المتحدة بعد عدة سنوات، وبدأت تنشر قصائدها بعد إلحاح من إحدى صديقاتها. اهتم الوسط الأدبي بأعمالها، وحصلت على لقب أميرة شعراء أمريكا عام 1946. وفي عام 1951، حصلت على منحة سفر من جامعة «براين مار»، وقررت أن تجوب أغلب بلدان أمريكا الجنوبية على متن قارب. وحين وصلت إلى البرازيل، كانت تتوقع أن تقضي أسبوعين فقط لتكمل رحلتها، إلا أنها قابلت فتى أحلامها، ظلت هناك خمسة عشر عاماً كاملة. حصلت على جائزة بولتزر، وأصدرت ديوانها الثاني أثناء إقامتها في البرازيل. أثرت فيها تلك الفترة إبداعياً إلى حدّ كبير، إذ تعرفت إلى عدد من شعراء أمريكا الجنوبية عن قرب، وترجمت بعض أعمالهم إلى الإنجليزية، ومن أشهرهم «أوكتافيو باز»، و«كارلوس دي أندريد». قررت مُغادرة البرازيل والعودة إلى الولايات المُتحدة بعد أن تحولت قصة الحب الرومانسية إلى كابوس مُرعب، سبب لها الكثير من الأزمات النفسية، وجعلها تدمن الخمر. كانت إليزابيث تهرب من الماضي ومن الواقع بالسفر. فقد شعرت بالوحدة منذ انقطعت صلتها بجديها لأمها، ولم تجد ما تتعلق به في وطنها. قررت أن تفرد أشرعتها للريح وأن تبدأ هجرة روحية وجسدية، واستسلمت لغواية المُدن البعيدة، والغرباء والحب. كانت حياتها سلسلة من التجارب الثرية التي مكنتها من كتابة قصائد نادرة، تعكس روحها الأسيرة منذ الصبا، وتطارد فكرة التحرر والانطلاق والجنون. كانت تقترب من العالم، ومن الشعر، باعتبارها كائناً بشرياً، فقد كانت تكره أن يتعامل معها النقاد باعتبارها «شاعرة أنثى»، وكانت تسعى دائماً إلى التعامل مع قصائدها دون تحيز سلبي أو إيجابي لشخصها، رغم كونها نسوية من الطراز الأول، ومُدافعة مقبلة عن حقوق المرأة. ومن الجدير بالمُلاحظة أنها اعتمدت على تجاربها المتنوعة دون التطرق إلى تفاصيل خاصة في حياتها الشخصية مثل غيرها من الشاعرات والشعراء في ذلك الوقت؛ ولم تكتب عن إحباطها العاطفي أو مُعاناتها نتيجة إدمان الخمر، ولم تظهر خبرات السفر الكثيرة في قصائدها. لقد أبدت إعجابها بشعر الاعتراف، لكنها لم تستخدم قصائدها كمنصة للتطهر أو التفريغ النفسي، وحتى عندما تناولت مأساة أمها وإصابتها بمرض عقلي في قصيدة «في القرية»، كانت حذرة في سرد التفاصيل الشخصية.ومن الغريب أن إليزابيث بحثت عن عمل لأول مرة وهي في الستين من العمر، بعد أن أوشكت ثروتها على النفاذ. عملت بتدريس دورات تدريب على الكتابة في بعض الجامعات الأمريكية بداية من عام 1970، وحصلت على جائزة الكتاب الوطني في نفس العام. توقفت عن كتابة الشعر منذ ذلك الحين، ولكنها نشرت كتاباً عن رحلاتها هو «جغرافيا 3» عام 1977. وفي السادس من أكتوبر عام 1979، غادرت إليزابيث هذا العالم، وتركت ميراثاً من الأعمال الأدبية قليلة العدد، قوية التأثير؛ يرى كثيرون أنها أسهمت في تطوير الشعر الأمريكي. وفي عام 2010، صدرت رواية للروائي مايكل سليدج عن قصة حياتها. وفي عام 2012، عُرضت مسرحية عن قصة حياتها بعنوان «عزيزتي إليزابيث» للمؤلفة سارة رويل، وفي عام 2013، تم إنتاج فيلم سينمائي عن حياتها في البرازيل، بعنوان «التحليق نحو القمر»؛ وهو عنوان شديد الدلالة عن حياة شاعرة ظلت تبحث عما يربطها بالأرض والبشر، منذ انفصلت عن مزرعة جدها في طفولتها الأولى.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

ملحق العدالة

Screenshot 2024-05-16 at 00.19.17

استبيان

الطقس في بغداد

بغداد
26°
34°
Sun
36°
Mon
الافتتاحية