Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

الطاهر أحمد مكي.. راهب النقد

الطاهر أحمد مكي.. راهب النقد
ادب وثقافة - 2:01 - 23/03/2016 - عدد القراء : 2310

«الطاهر أحمد مكي» أحد أعلام النقد الحديث، صاحب رحلة طويلة مليئة بالإبداع، يشكل مدرسة بحثية متفردة في النقد، فهو ينتمي إلى الرعيل الأول الذي درس الأدب الأندلسي، يؤمن بالقدر إلى حد كبير، من ترحاله وأسفاره المتعددة تعلم الكثير، وتمتع بحرية في اختيار حياته ومسلكه.. مقتدياً بمقولة أحد الكبار له: جرب كل الطرق، والطريق الذي لا يعجبك عُد منه.مع يوم السابع من إبريل يدخل «الطاهر أحمد مكي» عامه ال92 وها هو يستعيد الحديث عن طفولته قائلاً: «هي طفولة إنسان، ولد وعاش في قرية، تمتعت بنوع من الحرية في اختيار نوع حياتي على نحو لم يتُح لغيري، لم يكن بقريتي سوى مدرسة إلزامية عمرها 3 سنوات عندما وُلدت، بمعنى أنني كنت من أوائل تلاميذها، كنا نتعلم في غير المدرسة حفظ القرآن الكريم تلقيناً، أي لا نعرف القراءة والكتابة. وكان الشيخ الذي يلقننا القرآن الكريم- يقول د. الطاهر- لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يحفظنا الآيات، فحفظت القرآن مبكراً، ومن حسن حظي أيضا، أن صحيفة واحدة هي»الأهرام«كانت تأتي إلى القرية، يشترك فيها ثلاثة أشخاص مقابل 120 قرشاً في العام وهم: عمدة القرية، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة إلا ادعاءً لكي يُعين، وشاويش القرية وكان رجلا ذكيا وما زلت أذكر وجهه الأشقر، والثالث هو خالي وكان يجيد القراءة والكتابة وقد تعلمها خارج الكتاب.بعد ذلك جاء للقرية خبر بأن الزعيم»سعد زغلول» سيزور القرية وطلب الأهالي مقابلته، فقيل لهم إنه لا يهبط قرية إلا إذا كان فيها مؤسسة سيفتتحها، فافتتحوا مدرسة إلزامية مكونة من خمس حجرات مبنية بالطوب اللبن وسقفها من سعف النخيل، ما زلت أذكر أنها كانت مدرسة بفناء دون وجود باب خارجي، فكانت الحيوانات تبيت فيها ليلاً، وظلت على هذه الحال زمناً طويلاً.ويستأنف: حفظت القرآن في عمر 7 سنوات، كنت أقرأ الأهرام جيداً ويستدعيني الناس لقراءة الأخبار عليهم، بعض هذه الأخبار كان من السهل إدراكها، والبعض الآخر كان صعباً، وما زلت أذكر بعض الموضوعات الصعبة منها موضوع»التفاؤل والتشاؤم في علم النفس»وكانت هناك رواية مسلسلة بوليسية بعنوان»بنت الباشا المدير»ولعل هذا الكاتب هو محمود كامل.وعن قريته في العشرينات من القرن الماضي يقول إنها كانت منعزلة بلا مواصلات، تعلمت في المدرسة الابتدائية بمصاريفها البسيطة، كان أهل إسنا بمحافظة قنا جنوب مصر يدفعون 3 جنيهات طوال العام مقابل الكتب المدرسية ووجبة مطهية في منتصف النهار، لكن لا يوجد سكن، ولم تكن أوقات قطار السكة الحديد تتفق مع افتتاح اليوم الدراسي وانتهائه، إلى أن كبرت عُرض عليّ الذهاب إلى مدرسة المعلمين بقنا المختصة في إعداد مدرسي التعليم الإلزامي بعد 3 سنوات، لكن راتب هذا المدرس كان بسيطاً، فرفضت الذهاب للمدرسة، ثم قررت الالتحاق بالمعهد الديني في أسيوط، وبين قريتي وهذا المعهد 7 ساعات بالقطار.أقمنا في منزل بسيط وخيل لي أنا وزملائي أن عفاريت تطرق الباب ليلاً فعدنا للبلد، لكن عاد معنا أهالينا لاستئجار منزل آخر، كنت قد اكتسبت الكثير من قراءة مجلة»الرسالة»في الصيف، التي كان يشترك فيها طالب من قريتي بكلية أصول الدين، أعجبت بأسلوب الزيات وأكاد أحفظه كما أحفظ الشعر، فيما كان خالي الذي يجيد القراءة عندما يذهب إلى السوق في «أرمنت» يأتي بما أريده من المجلات منها مجلة اسمها «الإسلام» كانت بهذه المجلة موضوعات تحمل هجوماً بشعاً على مدينة القاهرة.في المعهد الديني درّس لي أستاذ من كلية اللغة العربية اسمه الشيخ كامل عليان، وهو أحد كُتاب القصة التاريخية، وكان يكتب في الصحف وأعجبه أسلوبي، فسألني: ماذا يعجبك في القرية التي تقتل موهبتك؟ مكانك بالقاهرة وليس القرية، فقلت له يقُال إن شيخ معهد القاهرة لا يقبل»الصعايدة» لأن هناك منافسة بينه وبين شيخ الأزهر الصعيدي، وقد حوّل كل طلاب الصعيد إلى بلادهم، وقررت الذهاب للقاهرة.وأذكر أنني مع اليوم الذي غادرت فيه القرية إلى القاهرة وأنا على شاطئ النيل بالغرب وأعبره إلى الشرق لأخذ القطار، جاء والدي مهرولاً يقول لي إن من جاؤوا من القاهرة لقنا الآن قالوا إن الوزارة سقطت، ومعنى ذلك أن هناك مظاهرات، وسعدت لأن الوزارة الوفدية هي التي سقطت، وشيخ الأزهر الذي يضطهد الصعايدة وفدي، وبالفعل نزلت على معهد القاهرة وبدأت طالباً به.يحكي د. الطاهر عن مدينة القاهرة في الأربعينات مسترجعاً زمناً ولَّى لمدينة جميلة يقول: كانت القاهرة مدينة مظاهرات، ثقافة، كان موسم المحاضرات في الجامعة الأمريكية رائعاً، فدخول المحاضرة بقرشين صاغ، مثل تذكرة سينما مترو، فكنت أقطع 12 تذكرة دفعة واحدة بعشرين قرشاً وفي كل محاضرة أسلم تذكرة. كانت القاهرة فاتنة، عالم آخر، وجاء الصيف، ولم أرد أن أعود للقرية، ويشاء حسن الحظ أن أقرأ إعلاناً عن شاي بعنوان «البحار» بصحيفة الأخبار لأحد التجار من إسنا، وكانت تجذبني إعلانات هذا الرجل، فذهبت إلى أحد نواب مجلس الشعب من قريتي، الذي كان يقيم في القاهرة وطلبت منه أن ألتحق بالعمل لدى هذا التاجر وبالفعل عملت معه. يتذكر د. الطاهر بدايات إقامته بالقاهرة ويقول: أول يوم لوصولي القاهرة لم يكن هناك مساكن للطلبة، وقد استولى الجيش الإنجليزي على العمارات، لكن أحد الطلاب القدامى بحث عن بيت قديم في سوق السلاح وقمنا بتنظيفه، كنا 6 طلاب من قنا، ينام زملائي في السادسة مساءً، بينما أذهب لهذا التاجر الذي عملت معه ككاتب حسابات، لم أستفد منه مالياً لأن الراتب كان قليلاً، لكنه كان يمتلك مكتبة كبيرة، يشترى الصحف يومياً والمجلات والكتب المهمة، وكان يصدر مجلة من أربع صفحات، كنت أكتب فيها باباً بعنوان»صحتك بالدنيا»وباباً بعنوان «خواطر بلا عنوان» أخذه بعد ذلك كمال الملاخ وقدمه في «الأهرام».كان لي صديق اسمه محمد مصطفى حمام – يقول الطاهر مكي – ذكي جداً، وكان مختصاً بكتابة خطب مصطفى النحاس باشا وفؤاد سراج الدين، كما كان يكتب الشعر لمن يريد أن يمتدح الزعماء، ذات يوم طلب مني 50 قرشاً على سبيل السلف، ولم يُعد ما استدانه، وبعد أسبوعين قال لي إن ياسين سراج الدين سوف يصدر مجلة أسبوعية اسمها «النداء» وسوف يمنحك 3 جنيهات مقابل ساعتين عمل أسبوعياً فوافقت. كتبت قصة بعنوان «أيام في جهنم» وذهبت لمجلة الشعلة التي جددها الوفد، وقرأ رئيس التحرير القصة ونشرها في الأسبوع التالي، وبعد ذلك أرسلت عدة قصص ولم تنشر، فذهبت للسؤال عن السبب، فسألني: هل أنت من كتب القصة الأولى أم قمت بسرقتها؟ فأقسمت له بأني كاتبها، فقال لي أول قصة كانت حقيقية، لكن ما تلاها كان كلاماً فارغاً، فأدركت أن الإنسان يحتاج لمن يعلمه كتابة هذا الفن، وتوقفت عن كتابة القصة إلى أن أصبحت مدرساً لفن القصة.تخرجت بامتياز في ليسانس دار العلوم في عام قيام ثورة 1952 نفسه وفي أحد الأيام خلال جلوسي على المقهى تصفحت صحيفة «البلاغ» فقرأت إعلاناً عن منحة من إسبانيا لدراسة اللغة الإسبانية فقدمت لها، وكنت مدرساً في الفيوم، لكنني أقيم في القاهرة، وعندما عقُدت لنا مقابلة أرسلوا لي خطاباً بقبولي على المدرسة التي لم أذهب إليها في الصيف فلم يصلني هذا الخطاب. لكن ما حدث بعد ذلك أن مجلة «المجلة» كانت تحتاج لمصحح لغوي بالمكافأة، وتعجب أحد أعضاء لجنة الاختيار من تركي الوظيفة الثابتة كمدرس وطلب التعيين بمكافأة، فأخبرته بأنني أريد العيش في القاهرة وليس الفيوم، فقال لي إذاً فلتعمل معي بإدارة الثقافة في مجمع التحرير، وبالفعل ذهبت في اليوم التالي للعمل فالتقيت هذا العضو وهو يضحك، وقال لي أردت أن أصطحبك للعمل معي هنا فأصبحت أنا وأنت على باب الكريم، حيث تم نقلي للعمل كمدرس للغة الإسبانية في الألسن. عندما خرجت من المجمع التقيت الدكتور عبد الملك عودة فسألني: أين أنت؟ لقد أرسلنا لك خطاباً مسجلاً على الفيوم كمرشح لبعثة إلى إسبانيا لكنك لم تأت، المهم ذهبت معه لاجتماع الترشيح للسفر وقرأوا على المستشار الإسباني في القاهرة شهادتي ليسانس لغة عربية بدرجة امتياز، فقال لي بلغة مكسرة «مبروك أنت يروح»، وبالفعل سافرت إلى إسبانيا خلال العدوان الثلاثي على مصر وكانت إسبانيا نقطة تحول في حياتي.لم يتزوج د. الطاهر رغم أنه عاش بعض قصص الحب، وهنا يكشف عن بعض أسرار الحب والمرأة في حياته، ويقول: عشت قصة حب مع فتاة إسبانية، والدها كان مستنيراً، ووافق وقال ان الحب لا يعرف الحدود، بينما قالت الأم نحن أسرة متدينة، ولا أنكر أنني قد تشاءمت، وعدت للقاهرة، وفي رأس السنة اتصلت بها لتهنئتها بالعام الجديد فأخبرتني والدتها بأنها دخلت الدير وأصبحت الراهبة السادسة في العائلة، ومن ثم انقطعت الصلة بيننا. ورغم انقطاع الصلة بين الطاهر وحبيبته الإسبانية إلا أن تعلقه بها لم ينته، إذ جاء في إهدائه لها كتابه «دراسة في مصادر الأدب» عام 1968: «إلى راهبة.. إلى قلب كبير.. وعقل ذكي.. وسعني ذات يوم.. حين ضاقت بي الدنيا».عاش د. الطاهر قصة حب أخرى لم تكتمل وعنها يقول: تعرفت إلى فتاة فلسطينية من غزة وتقدمت لوالدها ووافق وبعد خمس سنوات عندما جئنا لنكمل الزواج، قالت إنها ستذهب لتقابل والدتها في غزة ثم تعود، ولأن الأصدقاء الذين يعرفون الأمور نصحوني باصطحابها قبل سفرها إلى الشهر العقاري للعقد عليها، فالأجنبيات لا يحتجن إلى مأذون، فأخبرتها بذلك لكنها سافرت ولم تُعد حيث ظهر لها ابن عم وتزوجها رغماً عنها.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

ملحق العدالة

mulhaq-preview

استبيان

الطقس في بغداد

بغداد
23°
36°
Sat
34°
Sun
الافتتاحية