Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

«ساق البامبو».. أسماء البشر غير قابلة للترجمة

«ساق البامبو».. أسماء البشر غير قابلة للترجمة
ادب وثقافة - 2:01 - 23/03/2016 - عدد القراء : 2331

ناقشت كتابات الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ثنائية الاسم وازدواجية الهوية، انطلاقاً من أزمة دريدا نفسه، الذي فرض عليه أن يقيم دوماً «الترجمة»، لا لغة أصلية لها تنطلق منها، فلغته الفرنسية ليست لغته الأصلية، باعتبار أن جذوره يهودية، وميلاده كان بالجزائر، ومن ثم فإن العربية أو العبرية هي المفترض أن تكون لغته الأم، ودريدا يذكر ذلك، قائلًا عن اللغة العربية «كانت لغة الجار، جاري أنا، فقد كنت أقطن على تخوم حي عربي، على حدوده اللامرئية، والمتعذر عبوره في الوقت ذاته»، كما مرّ بأزمة ثنائية الاسم ما بين دريدا و«دريسا» كمسمى ديني.الإشكالية السابقة، يعيد طرحها روائياً الروائي الكويتي الشاب سعود السنعوسي، في سرديته الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» 2013 «ساق البامبو»، فالشخصية الرئيسية تعاني ثنائية الاسم وازدواجية الهوية، هو «هوزيه ميندوزا»، وهو أيضاً «عيسى الراشد»، الاسم الأول كنيته في الفلبين والأخير اسمه بالكويت، ابن «جوزافين» الخادمة المتعلمة التي دفعتها الظروف الاقتصادية للسفر إلى الكويت، والعمل لدى عائلة «الطاروف»، من أكبر عوائل الكويت وذات المكانة الاجتماعية المرموقة، ثم تتزوج سرا من راشد سلسل «العائلة»، وتحمل منه وتكتشف والدة راشد الأمر، فتطرد الخادمة، وبعد أن يُولد «عيسى» تضطر أمه إلى العودة للفلبين بعد رفض العائلة الاعتراف بالمولود.هنا تبدأ رحلة معاناة هوزيه/‏ عيسى، الذي يكبر في بلاد يحيطها الفقر من كل جهة، والبيوت التي صنعت من الصفيح، والأقارب الذين يرتبط بهم، خالته «إيدا» وابنتها «ميرلا» وخالة «بيدرو» وجده «ميندوزا»، والعجوز التي أسكنها جده في طرف الأرض، وشقيقه من أمه الذي أصيب بإعاقة دماغية جراء غرقه في مياه المجاري. وتبدأ تساؤلاً هوزيه/‏عيسى أي الأسماء اسمه، إنه قدر البقاء في الترجمة، كذلك التردد بين جنسيتين وهويتين وديانتين، وهل لغة أهل الفلبين لغته الأصلية؟ فاللغة ليست مجرد حامل معنى ومعبر عنه لا أكثر، أو أداة توصيلية لرسائل ما فحسب، وإنما بنية مُشكلة لهوية الإنسان وتصوراته عن العالم ورؤيته لذاته أولًا. ويستغني الإنسان عن الترجمة حيال أمرين، المشاعر الودودة والكلمة الطيبة، فالأولى حد منطوق الرواية «تضيق بها الكلمات فتعانق الصمت»، والصمت غير قابل للترجمة الحرفية على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي نيكولسكو، والأمر الآخر الكلمات الطيبة لا تحتاج إلى ترجمة. يكفيك أن تنظر إلى وجه قائلها لتفهم مشاعره وإن كان يتحدث بلغة تجهلها بنص «ساق البامبو».من وجهة نظرنا، تبدو رواية «ساق البامبو»، والتي حازت أيضًا جائزة الدولة التشجيعية بالكويت 2012، وما تطرحه من إشكاليات، متمتعة بنوع من الازدواجية بين كونها فعلًا وممارسة وكونها خطابا سردياً، وخلال الأدوات الفنية التي استند عليها السنعوسي بدءاً من الإيهام بأن النص الروائي في الأصل مترجم عن اللغة الفلبينية، ما يكسب عملية التمييز بين السرد كفعل/‏ ممارسة يقوم بها شخصية مادية والسرد كخطاب وجاهة؛ فالسرد في «ساق البامبو» نشاط للخطاب من أجل التعامل مع خطاب سابق، يتوهمه القارئ مترجماً، وتتمتع اللغة السردية بالازدواجية التي سترافق الشخوص في أكثر من موضع؛ والسرد كممارسة قد يستلزم طقوساً معينة يجريها المتلقي، ومن المحتمل ألا تؤدي الممارسة بالضرورة إلى الخطاب أو العكس، وإنما يتطلب الأمر من المتلقي ما يسميه دريدا «واجباً مزدوجاً»، والكائن الازدواجي لا يأخذ في اعتباره المسائل بمنطقية «1+1=2» وإنما يحفر لنفسه هوة سحيقة، أو على الأقل يعمل على الوقوف بين حالة الممارسة/‏ الفعل وحدّ الخطاب؛ حالة بين المحاصرة والرمي في الخلاء، بين الإنقاذ والضياع، وليس هناك من خيارات أخرى.ومن جهة، تضعنا الرواية أمام ما يسميه دريدا «الحدث العائلي»، فأم عيسى، الخادمة في نظر العرف العربي ارتكبت جريمة بالزواج من «السيد» و«ابن العائلة» الكبيرة، ذات الأصول، وهي لا حسب ولا نسب، خادمة تدفع ثمن فقر بلادها خدمة في البيوت، ما يعني أن جوزافين كانت في نظر «العرف» «مجرمة»، ويستتبع زواجها غياب «العائلة» نظراً لسقوط شرط التوافق «القبلي»، وغياب «الأب الشرعي» لعيسى رغم أنه ثمرة زواج، فالشرعية هنا تُكتسب من اعتراف المجتمع لا بقانونية وثيقة الزواج.ويضعنا السنعوسي أمام «حدث عائلي» يعتمد تصور العائلة اعتمادًا يشير إلى أن الحدث السردي يمسرح المشهد العائلي، غير أن هذه الدراما العائلية تتعالق في السرد، التعالق القوي الشديد مع العرف.. وبتعالقهما هذا، نغدو أمام التصور الحديث لا التصور البدائي القديم لمفهوم العائلة ذاته، وحسبما يرى دريدا فثمة استتباع بين «الأب الطبيعي/‏ الشرعي» و«الأب السياسي»، إذ كلما استقر الأب الشرعي داخل العائلة ضَمنَ استقرار الأب السياسي، والعكس صحيح.من جهتها، تصر الأم على عودة هوزيه/‏ عيسى إلى بلاد أبيه، بينما لا يكترث الابن بداية بالأمر ولا بجذوره، «لماذا كان جلوسي تحت الشجرة يزعج أمي؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لي جذور تضرب في عمق الأرض ما يجعل عودتي إلى بلاد أبي أمرا مستحيلا؟ ربما.. ولكن، حتى الجذور لا تعني شيئًا أحيانًا». وتمر الأيام ويسافر عيسى إلى الكويت، ليراها أرض العجائب مقارنة بمانيلا هناك أقسى شرق آسيا.وبوصول هوزيه/‏ عيسى إلى بلاد أبيه، يكتشف وقوع والده في الأسر خلال احتلال قوات صدام حسين للكويت، ومقتله جنوب العراق، وبعد أن يتعرف على عائلته «الطاروف» وتتسبب ملامحه الآسيوية في رفض أقاربه قبوله كفردٍ منها، لتبقيه جدته ضمن أفراد الخدم، وتبدأ رحلة عذابات لكن مع العلم أن الركون إلى هوية ما، مسألة تحقق الاطمئنان النفسي، الذي يزداد بظهور شقيقته من أبيه.وبعد سلسلة من الممارسات القهرية من أفراد العائلة، وشعورهم بالعار من ابنهم «فلبيني الملامح»، يجبر هوسيه/‏ عيسى على ترك بلاد أبيه والع“`ودة إلى جذور الأم، ليعيش جوار عائلته في أرض ميندوزا، ويتزوج ابنة خالته والتي تشبهه في عدم وجود الأب، غربي هذه المرة، وينجبان ابنًا بملامح عربية هذه المرة، فيسميه على اسم الجد «راشد»، وهي خاتمة لا تفقد الأمل في المستقبل، والتقاء الشرق بالشرق، والحلم بإمكانية التعايش المشترك بينهما.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
9°
18°
السبت
21°
أحد

استبيان

الافتتاحية