Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

لطفية الدليمي تفكك الحضور النسوي في ملحمة جلجامش

لطفية الدليمي تفكك الحضور النسوي في ملحمة جلجامش
ادب وثقافة - 3:10 - 01/03/2016 - عدد القراء : 2077

اختلف الدارسون لتاريخ بلاد الرافدين حول ملحمة جلجامش، وهي ملحمة أكدية انحدرت إلينا مدوّنة على ألواح الطين السومرية، فكثرت المؤلفات التي تناولتها من زوايا مختلفة، والحقيقة أن هذه الملحمة ظلت إلى الآن محل جدل، وأثارت العديد من نقاط الاستفهام لما شكلته من تعدّد في النسخ التي وصلتنا، لذلك حافظت هذه الملحمة على غموضها، كما حافظ جلجامش على سطوته وقوته رغم العراقيل التي وُضعت أمامه فتحدّاها، وواصل رحلة البحث عن الخلود.
جلجامش صراع من أجل البقاء والخلود
في مسرحية “الليالي السومرية”، التي تركز عليها هذه القراءة، كنموذج إبداعي للطفية الدليمي في حقل المسرح، نقف على مقاربة درامية نسوية لملحمة جلجامش، تتقصّى فيها المسارات التحتية لحركة الشخصيات وأفعالها وتقاطعاتها، وخاصة الحضور النمطي والمحدد للنساء، فابتدعت شخصيات ثانوية لتثري الصراع التراجيدي، متجاوزة مفهوم البطولة الفردية الذي تقوم عليه الملحمة بمساره الكلاسيكي، فكان الجميع في النص المسرحي أبطالا، بهذا المعنى أو ذاك، حسب تأثيرهم في تنامي الصراع الأساسي بين الإنسان والموت، وبين الفرد والسلطة، وبين مفهوم القوة الجسدية ومواجهتها للعقل منتج المعرفة.عُرفت الدليمي مبدعة في أنواع أدبية عديدة كالرواية والقصة القصيرة والترجمة وأدب الرحلات، ولم تعرف أنها كاتبة مسرحية أيضا، لقد كتبت خمسة نصوص هي “الليالي السومرية”، التي عرضت على المسرح، ونالت جائزة أفضل نص يستلهم التراث السومري في العراق، “الشبيه الأخير”، “الكرة الحمراء”، “قمر أور”، و”شبح جلجامش”.
طغيان ودموية
ثمة شخصيتان أساسيتان تحركان الصراع في النص: جلجامش بطغيانه ودمويته، وأنكيدو الكائن البري، الذي تخلقه الآلهة أورور لمواجهة جلجامش، وثنيه عن فظاعاته التي يقترفها ضد شعب أوروك لإيجاد قدر من التوازن في النظام المديني السومري بين الطبيعة البكر المنفلتة، وبين بيروقراطية الحكم المديني، أي بين مبدأي الطبيعة والثقافة من جانب، وبين الأنوثة والذكورة، والموت والحياة، واجتراح مفاهيم مغايرة لهاجس الخلود الذي سكن جلجامش بعد موت الصديق، ومجابهة الموت بوصفه حقيقة يومية لا منجى منها.أولت لطفية الدليمي اهتمامها في هذه المسرحية لموضوعي الاستبداد، والشراكة بين الرجال والنساء في صيرورة العالم القديم؛ فـجلجامش الباهر المتجبر يتخذ دور الطبيعة البيولوجية المتفوقة بنسبه الملكي ونصفه الإلهي.ويمثّل أنكيدو رجل البراري، شبيه الوحش، دور الطبيعة البدائية المنفلتة التي لم تُدجّن أو تُروّض. وسوف يبذل الكهنة والحاكم الجهود لترويضه وجلبه إلى المدينة عن طريق الحب والتقنية؛ تقنية صناعة الخبز والخمر ونسج الثياب، وهو الذي يشارك الضواري عشبها وفرائسها. سوف تغيّر مصيره شمخت، الغانية التي أُرسلت لترويض الوحش، فتغويه لممارسة الحب معها، وتقدم له الخبز والشراب، وتضع عليه رداء منسوجا، هو جزء من ثوبها، ليتحوّل إلى إنسان يسهل اقتياده، ثم تصطحبه إلى المدينة ليصارع جلجامش، كما في نص الملحمة الأصلي.يقوم التناقض والصراع هنا بين نمطين للحياة، نمط الرعي وجمع القوت، ونمط الزراعة والتمدن والخدع التي تتحكم في سياسة المدن، إذ يستخدم المهيمنون على السلطة الجنس والخدع الأخرى لترويض القوى المضادة لهم.
الغانية وساقية الحانة
في الملحمة الأصلية شخصيتان نسويتان تحركان الأحداث وتؤثران فيها: شخصية الغانية شمخت، وشخصية سيدوري ساقية حانة الآلهة، وكلا الشخصيتين تمثلان الموقف الأبيقوري من اللذة، وتبشران بالمتع مع إغفال دور المعرفة، فلا وظيفة لهما غير المتع وإشباع الرغبات. لكن لطفية الدليمي توصلت إلى أن ثمة إغفالا كبيرا لأدوار النساء الأخريات في حياة جلجامش، وضمن سياقات العيش في حاضرة عظيمة كمدينة أوروك، التي تمتلئ معابدها بالناسخات والشاعرات والعرافات (كانت حينذاك مهنة النسخ والكتابة مهنة خاصة بالنساء).لذا عمدت الدليمي في الليالي السومرية إلى تفكيك الحضور النسوي؛ فمن غير المنطقي أن يتحدّد هذا الحضور بنمط الغانية، وصاحبة الحانة فقط في ذلك المجتمع المديني، منتج المعرفة والنصوص الباهرة، المجتمع الذي اخترع الكتابة والعجلة، وشيّد أولى المدن، وأقام المعابد، وأنشأ “الإيدوبا” (المدارس بشكلها المنظم الذي نعرفه اليوم)، فأوجدت شخصية نيسابا سيدة المعرفة، وشخصية المرأة العرّافة، التي تظهر كصوت خفيّ لامرأة رائية تُنذر وتوجّه الأحداث، وشخصية أورورا الخالقة، التي تتبادل أدوارها مع عشتار وشمخت الغانية؛ بمعنى أن المؤلفة قدّمت رؤية مغايرة لوضع المرأة المنمط في الملحمة.فالشخصيات ليست ناجزة ولا نهائية، لتلعب النساء أدوارا تقوم على الصراع في ما بينهن من خلال تقاطع أدوارهن وتباينها، وتأثير مواقفهن في صيرورة جلجامش، وتحوّلاته المتتالية عبر التجارب والغوايات التي تعرّض لها معهن. حتى ينتهي به الأمر إلى التراجع عن فكرة الرحلة المزمعة إلى مياه بحر الموت للحصول على نبتة الخلود، والعودة إلى أوروك صحبة امرأة ليعيد النظر في موقفه من الموت والحب والحياة، ويعمّر فضاءات أوروك ومعابدها كي تحقق له كلها شهوة الخلود، كاسم تاريخي بديل عن الخلود الجسدي الذي تراجع عنه.خلال الرحلة المحبطة يتناول نص لطفية الدليمي مفهوم الزمن لدى العراقيين الأوائل عبر شجرة الخالوب، التي رافقت جلجامش منذ ولادته، فمن خشبها صُنع مهدُه، وألعاب صباه، وسرير متعته، وكرسي عرشه، وما تبقى منها ينتظر لصناعة نعشه.شجرة الخالوب هي الزمن الذي يتبدل معه الاستخدام المكاني الخاص بصيرورة بشرية، إذ كان مفهوم الزمان ومفهوم المكان متداخلين في الفكر العراقي القديم، فيوصف الماضي بأنه الزمن الذي يقع أمام عيني المرء، أما المستقبل فهو الزمن الذي يقع وراء ظهر المرء لمجهوليته، والمهد واللعبة والسرير والعرش والنعش أمكنة تختزل المسافة بين الحياة المعيشة والموت الذي لا مفرّ منه، وكانت العرافة تردّد على مسمع جلجامش بصوت الشجرة هذه الحقيقة في مراحل رحلته الغامضة إلى مياه بحر الموت.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

ملحق العدالة

Screenshot 2024-06-17 at 04.54.21

استبيان

الطقس في بغداد

بغداد
39°
40°
Sun
41°
Mon
الافتتاحية