Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

مملكة الفراشة لواسيني الأعرج.. مُساءلة الرواية والتاريخ

مملكة الفراشة لواسيني الأعرج.. مُساءلة الرواية والتاريخ
ادب وثقافة - 0:52 - 19/04/2016 - عدد القراء : 2251

يبدو التاريخ رهاناً كؤوداً على الروائي العربي الذي يجد نفسه في موضع تجاذب بين تيارين، أحدهما ديدنه وفنه وهو الرواية وفنون تخييلها، وثانيهما التاريخ، وهو أحد همومه وإن لم يكن أحد علومه، خاصة وأنه يشهد في اطلاعه على هذا الموضوع معاناة المؤرخين أنفسهم وجناياتهم بعمد أو غير عمد، لينتهي الكل إلى مسلمة مفادها: أن الكتابة عن التاريخ مجازفة غير مضمونة العواقب فكيف بمن يتسلح بالتخييل الأدبي أن يكون وفياً للحقيقية التاريخية؟؟
أولاً- الرواية التاريخية بين النمط الغربي والنمط العربي
إن كان التاريخ المتخيل هو خصيصة الفن الروائي فإنه مع ذلك لا ينبغي أن يكون تزييفاً للتاريخ الواقعي.. بل عليه أن يحفظ صدقيته حسب جورج لوكاتش في كتابه الرواية التاريخية، حيث نبه على ضرورة: “أن تكون الرواية أمينة للتاريخ، بالرغم من بطلها المبتدع وحبكتها المتخيلة(يضيف لوكاتش بشأن نقل الخصوصية التاريخية في التخييل الروائي محدداً: “هدف الرواية التاريخية هو تمثيل واقع اجتماعي معين في وقت معين مع كل ألوان ذلك الوقت وجَوّه الخاص، وكل شيء عدا هذا.. أي كل من الصدامات والأفراد التاريخيون، العالميون، الذين يبرزون فيها ليس إلا لهذا الغرض. ولما كانت الرواية تصور كلية الأشياء، فإن عليها أن تتغلغل إلى التفاصيل الدقيقة للحياة اليوميةما يعني أنه من أجل نقل خصوصية اللحظة الحضارية والاجتماعية والنفسية للزمن التاريخي المستهدف في الرواية تصبح الشخصيات والأحداث التاريخية مجرد وسائل عمل، وتقنيات مساعدة لتحقيق معايشة الخصوصيات التاريخية المستهدفة بكل تفاصيلها لأن الكاتب لا يستهدف إعادة التاريخ بقدر ما يرمي إلى معايشة التاريخ. وإن كانت هذه المحاذير قد رسخت تقاليد الكتابة الروائية الغربية، فإنها لم تسهم على ما يبدو في بناء الرواية العربية على المسار نفسه، بل إخالها قد عملت عملاً معاكساً مع الروائي العربي في كثير من الأحيان، حين يداخل بين الحدث التاريخي والحدث التخييلي، وهذا يعني أن منطق التخييل الروائي مرهون بمنطق التمثيل الوقائعي للأحداث وتزمينها داخل النص، وبين المنطقين تعثرت روايات عربية عدة ومن بينها الجزائرية التي نختص أحد نماذجها هنا بالدراسة والتمثيل. وهي رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، وإن لم تكن رواية تاريخية بقد ما كانت رواية تشتغل على التاريخ كوسيلة ومرجعية سردية.
ثانياً – “مملكة الفراشة” تفكك المنطق الزمني وارتباك المبنى الحكائي.
تنتمي رواية مملكة الفراشة -الفائزة بجائزة كتارا العربية لسنة 2015، إلى ذلك النمط من الروايات التي وظفت التاريخ وكتبت به كوسيلة وأداة، دون أن تكون تاريخية في حد ذاتها، وسنعرض لنقدها من منظور زمني لنبين الفرق بين هذا النمط الذي يوظف التاريخ كوسيلة في خطابه، وثانيهما (الرواية التاريخية) التي توظف التاريخ كهدف في خطابها مثل رواية كتاب الأمير مثلاً.ستعرض دراستنا لهذه الرواية تحليلاً لعنصر الزمن بنوعيه: الأول هو ما يطلق عليه فنياً: “زمن القص”، والثاني: “زمن الخطاب” اللذين شهدا في هذه الرواية تفككاً بنائياً من شأنه إن حدث في أي نص سردي أن يهدمه من الأساس، باعتبار بنية الزمن بشقيها القصصي والخطابي، هي عماد الكتابة السردية التي لا تقوم الرواية إلا بها، خاصة إن كانت هذه الرواية تتناول حقبة زمنية أو حدثاً تاريخياً. والزمن في هذا النمط من الرواية انشطاري التركيب؛ فهو من جهة حامل للسمة التاريخية المرجعية للنص (زمن القص). وهو من جهة ثانية بنية تخييلية تحكم منطق السرد وحبكة الحداث الدائرة بين الشخصيات والعالم السردي، (زمن الخطاب).
زمن القص:إن الرواية التي توظف التاريخ المرجعي في أحداثها تنتمي دوماً إلى ما يطلق عليه بنمط السرد المرجعي، أي ذلك السرد الذي يتكئ على أحداث فترة زمنية لها مرجع معروف في الواقع حيث: “تكون الأحداث حقيقية أو مقدمة باعتبارها حقيقية، وتكون قد حدثت بالضرورة في زمن تاريخي سابق للسرد”(في هذا النمط من الزمن تستوحي رواية مملكة الفراشة مرحلة العشرية السوداء، أو الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، باعتبارها زمناً مرجعياً لأحداثها، وما إن يتأسس القارئ على هذا المنطق الزمني حتى يجده زمناً مفككاً مضطرباً لا يأتلف مع ما يقع فيه من أحدث.. بل يبدو تركيباً نشازاً بين مرحلتين غير مؤتلفتين مرحلة الحرب الأهلية ومرحلة الثورة المعلوماتية التي انغمس فيها الشباب العربي كأحد وسائط التواصل الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك.. فما هي الحدود الزمنية بين المرحلتين، وهل يمكن أن تأتلفا في سيرورة ومنطق زمنيين؟؟إن دخلنا أحداث الرواية سنجدها تدور حول فرقة موسيقية شبابية أطلقت على نفسها فرقة (ديبوجاز)، هاجر عدد من أفرادها إلى منافي أوربية بعد اشتداد الحرب الأهلية والأزمة الوطنية (العشرية السوداء) لكنهم بقوا على اتصال عبر وسائط التواصل الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك؟؟إن كانت هذه العشرية محددة زمنياً في أعقاب توقيف المسار الانتخابي سنة 1992، فإن العشرية انطلاقاً من هذا التاريخ تكون قد انتهت قبل 2002، علماً أن الفيسبوك قد تم اختراعه من طرف الأمريكي مايكل زوكربارغ كوسيلة تواصل حصرية بينه وبين أصدقائه في الجامعة سنة 2003، وقد عم الولايات المتحدة في أواخر 2004، بينما اكتسح أوربا بين سنتي 2005- 2006، وقد عرفته بعض الدول العربية المتطورة تقنياً في الخليج بين سنتي 2006 و2007، فيما كانت الجزائر من أكثر الدول تأخراً عن الركب العربي وحتى الإفريقي في إدخال تكنولوجيا المعلومات، (ولا تزال للأسف عيوب الإنترنت تعيق التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين الفراد والمؤسسات حتى يومنا هذا). وإن كنا أكثر تفاؤلاً فلنقل إن العائلات الميسورة في الجزائر كانت قد حظيت بهذا النوع من التواصل الاجتماعي الافتراضي حسبما علمته من بعض هذه العائلات والمؤسسات (مؤسسة بريد الجزائر)، بين سنتي 2008-2009، ليكتسح الفيسبوك بقية طبقات المجتمع ويشيع على أوسع نطاق في 2010 حيث صار استعماله رائجاً بين كل فئات المجتمع. وهذه هي إحداثيات التاريخ المرجعي الذي تستند عليه رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، فكيف تعامل هذا النص مع مرجعه التاريخي هذا؟في مستهل الرواية يكتب فادي (فاوست) حبيب البطلة (الراوية) ياما وزميلها السابق في فرقة (ديبو جاز) الموسيقية في رسالة فيسبوكية: [ستنتهي سنوات الخوف والعزلة، سأحبك أنا أيضاً لدرجة الهبل] (ص 56)، وهذا أول مؤشر زمني على أن الحرب الأهلية لم تنته بعد؟؟ وحسب هذا التعبير أن التواصل الفيسبوكي كان منتشراً ومتداولاً بين فآت الشباب آنذاك، وهنا يمكن أن نطرح كقراء تساؤلاً جرّنا إليه هذا المقطع: هل دخل الفيسبوك بيوت الجزائريين أثناء الحرب الأهلية التي أطلق عليها إعلامياً (العشرية السوداء)؟؟ أم أن هذه الوسيلة السيبرنية قد حلت بعد العشرية السوداء بعشرية أخرى؟؟واعتماداً على معيار شيوع الفيسبوك بين عامة الفئات الاجتماعية للشعب الجزائري بداية من العشرية الثانية من الألفينيات، فهل استمرت العشرية السوداء حتى هذا التاريخ ليتم التواصل بين شخصيات الرواية في رسالة فيسبوكية تعلن أن سنوات الخوف والحرب لم تنتهِ بعد؟؟تتم هذه المحادثة في رسائل فيسبوكية بين شابين جزائريين، وتشير بوضوح إلى أن الأمن لم يستتب والمدن لازالت توفر الموت بسخاء، وهذا يعني أن الحرب الأهلية ما تزال قائمة حسب الوصف الذي قدمته البطلة القاطنة في الجزائر لصديقها المهاجر!! بينما منطق زمن الفيسبوك لم يكن ليتكرس لدى الجزائري قبل (2008-2010- أي تقريباً مع نهاية العشرية الأولى وبداية العشرية الثانية من الألفينيات)، فهل استمرت العشرية السوداء حتى هذه الفترة؟؟إن هذا المقطع لوحده -فضلاً عن بقية المقاطع السالفة، وغيره من المقاطع التي تمتلئ بها الرواية- كفيل بأن يربك زمن القص ويفسد منطق السرد وتلقي القارئ معاً، حينما عبث بإحداثيات زمن القص المقصود في الرواية، كأن يجد القارئ نصه يشير إلى زمن رواج الفيسبوك (2008-2010) بين شخصياته تدردش في رسائل إلكترونية في هذا الزمن الذي تدعي شخصيات الرواية أن الحرب الأهلية فيه لما تتوقف بعد، بل نجها في النص قد اشتدت أكثر مما كانت عليه!!؟؟ ثم لا يلبث البطل أن يقول في الصفحة نفسها بعد أن أكد على اشتداد الحرب أكثر مما كانت عليه: [لقد انتهت الحرب منذ عشرة سنوات] (الرواية ص 53) علماً أن البطل هنا يتكلم عن لحظته الحاضرة، أي إنه يقول بوضوح: إن العشرية التي يقصدها تقع قبل لحظة كلامه هذا وهي منطقياً السنتين الأولتين بعد الألفين (2002)، التي انتهت بها العشرية السوداء، فهل كان هذا زمن للفيسبوك؟؟ هذا ما تقره الرواية بكل غرابة. ولو كانت الرواية غرائبية.. لا ترتبط بحدث تاريخي ولا تشتغل على مؤشرات الزمن والتاريخ كمرجعية لها لكان هذا الأمر عادٍ ومبرر فنياً.فعن أية عشرية يتحدث البطل؟؟ عن عشرية التسعينيات (الدموية)؟؟ أم العشرية الأولى من الألفينيات التي شهدت ولادة الفيسبوك في الولايات المتحدة وأوربا، أم عن العشرية الثانية من الألفينيات التي راج فيها الفيسبوك في الجزائر؟؟ أم عن أزمة دموية افتراضية اجتاحت العشريات الثلاث معاً؟؟ ونظراً لهذا الارتباك الذي تداخلت فيه أزمنة غير متكافئة في سياقاتها الحضارية والثقافية وخصوصياتها التاريخية المرجعية، فقد تضاربت خطابات الشخصيات مع مقتضيات المنطق الزمني الواقعي الذي تتمرجع به أحداث الرواية. حيث يبدو للعيان العجز العميق في تثبيت إحداثيات زمن القص، التي بدت تائهة، تمتد فيها عشرية الأزمة من 1991، إلى ما بعد 2008. زمن دخول الفيسبوك إلى الجزائر، أما رواجه شعبياً بين جميع الفئات فلم يكن قبل دخول الجيل الثالث والرابع من الإنترنت على أجهزة وشبكات التواصل، أي بعد 2012.يضع واسيني قارئ رواية مملكة الفراشة أمام مأزق زمني إذا عليه أن يتخيل شخصيتين من عامة الشعب الجزائري المقهور يتبادلان الرسائل الإلكترونية إبان الحرب الأهلية التي شبت في التسعينيات، ولا يزال أحد الطرفين (فادي) مشرداً في المنافي وها هو يصف في رسالة فيسبوك إلى حبيبته (ياما) وضع البلد قائلاً: [أنهار الدم لم تتوقف إلى اليوم] وتارة أخرى: [الموت حاضر أكثر مما كان عليه على مدى سنوات]؟؟ وعلى القارئ أن يتدبر أمر هذا المنطق الذي يتنافى مع منطق الحياة الثقافية والسياسية والحضارية لهذه الفترة من التاريخ التي عليه أن يقحم فيها الفيسبوك ضمن منطق الحياة ويوميات الجزائري أثناء مكابدته لأهوال الحرب الأهلية في العشرية السوداء التي يؤرخ لها التاريخ بفترة التسعينيات. بينما يمنحها الكاتب خصوصيات تاريخية تتجاوز تلك الحقبة بعشريتين؟؟وبهذا المنطق السردي المرتبك بقيت العشرية التي يتحدث عنها الروائي عائمة ومتضاربة، على مدى عشريتين من الزمن دون أي تحديد؟؟.. وهذا ما يصعب هضمه لدى القارئ. وإذ ينسب الروائي تقنية أو سمة حضارية لمرحلة سابقة لم تتهيأ لها، ويجتلب تفاعلات إلكترونية تخص مرحلة تطورية شهدت دخول ثورة معلوماتية ويقحمها في صلب أحداث تلك المرحلة الدامية من تاريخ الجزائر التي لا تحتملها بأي منطق كان، فإن هذا الاختلال البنيوي يضر باستيعاب منطق الحقيقة التاريخية التي يتأسس عليها منطق زمن القص في الرواية الذي تبعثرت إحداثياته أمام قارئ لا يقع خارج التاريخ، ولا يجهل منطق السرد المؤسس عليه، وهو تشوه بنائي في زمن القص يصعب ترميمه تحت أي منطق مهما صب فيه الروائي من تخييل، إذ لا يجب أن يكون التخييل الروائي وأبطاله المبتدعين في السرد غطاءً لانتهاك الحقيقة التاريخية وخيانتها كما قال جورج لوكاتش(5). وهذه هي الحدود الفنية التي تتيح للروائي أن يتخيل كما يشاء لكن دون المساس بالحقائق التاريخية المعروفة التي يتمرجع بها النص دون أن يدمرها، ويشتغل عليها المخيال الروائي دون أن يشوه ملامحها أمام القراء. وهو الميثاق الذي لم تحفظه الرواية، فأسقطت الخصوصية التاريخية للمرحلتين أثناء انشغالها بنسج الحبكة وتحبير سحر اللغة المشحونة ببلاغة العواطف ودرامية الأحداث.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

الطقس في بغداد

بغداد
20°
20°
الثلاثاء
22°
الأربعاء

استبيان

الافتتاحية