Menu
Al-adala
Al-adala

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
صدق الله العلي العظيم

الواقع والمتخيل في عصر ما بعد الكذب

الواقع والمتخيل في عصر ما بعد الكذب
ادب وثقافة - رشيد المومني - 0:39 - 27/03/2016 - عدد القراء : 2125

من الواضح أن الحديث عن عصر ما بعد الكذب، هو امتداد للحديث عن سياقه العام الموسوم بعصر ما بعد الحداثة، إذ في ظل المنجزات المذهلة، التي ما فتئت تقنيات العالم الافتراضي تباغتنا بها، سيحاول الكذب التنكر لتوصيفه التقليدي، الذي دأب على تقديمه لنا باعتباره نقيصة، مطاردة بلعنة تلك الخطيئة التاريخية، الحاضرة في نصوص الأساطير القديمة، كما في الكتب السماوية، التي تضع ممتهني الكذب عادة، في خانة المنافقين والمداهنين…وهو تنكر، يعود إلى ذلك الفصل العُرفي، القائم بين المعقول واللامعقول، بين الواقع واللاواقع، بين الخير والشر، حيث لا مجال لإحداث أي خلط بين طرفي هذه الثنائيات، إلا أن هذا الفصل يبدو حاليا، كما لو أنه مقبل على الانسحاب من الصورة، بموازاة تنامي سيطرة الأساطير الجديدة، التي ما فتئت تقنيات العوالم الافتراضية تقترحها علينا، كبديل للواقع المعيش، بفعل التطور المتسارع لأجهزة التفاعل المحاكاتية، التي أدت إلى تنامي الوعي بجاذبية البيئات الاصطناعية والافتراضية، الشيء الذي يوحي باستعداد البشرية، للانصراف إلى عوالم متخلصة من ثقل أجساد الواقع، و إكراهات أعبائه اللامحتملة. وهو ما سينتقل بالبيئة الافتراضية، من مجرد كونها نافذة مفتوحة على عالم متخيل، إلى مستوى تجربة الوجود الفعلي، في عوالمَ قائمةٍ بذاتها، ومستقلة عن العالم الطبيعي، أي، إلى مستوى تحويل المتخيل، إلى عالم حقيقي وواقعي. إذ في سياق تنامي سيطرة التجارب الافتراضية، على الكثير من الظواهر الكونية، وفي ظل استحداثها لظواهر جديدة، محكومة بتقنيات جد دقيقة ومتطورة، أصبحت إمكانية الفصل بين الواقعي والمتخيل، جد مستعصية، إن لم نقل عبثية، وهي الصعوبة ذاتها، التي تدعونا للتساؤل عن جدوى الكشف عن الآليات المتحكمة في تنشيط وتفعيل ظاهرة الكذب، وكذلك عن جدوى التصدي إلى ضراوة تغلغل هذه الآليات، في عموم الفضاءات الاجتماعية، حيث يتقاطع الكذب السياسي بالكذب العقائدي، والكذب الاقتصادي بالثقافي، خاصة حينما يتعلق الأمر بحضور تلك القيم «الطيبة» المسكونة بالدعوة إلى فضح تلك الممارسات، المتخصصة في اللعب بمصائر المجتمعات، عبر ما تنفثه من سموم، إما بهدف تعميم الإحساس بخطرٍ متخيل، أو بغاية تعبئة مشبوهة، ضد عدو محتمل قد يكون ذا طبيعة مادية أو رمزية، أو تكريس قيم ومفاهيم، ذات صلة بحقل معرفي ما، فضلا عن تلك الأكاذيب الضالعة في تعميق حالات الإحساس باليأس، أو بمتمنيات لن تفرح أبدا بتحقق النزر القليل منها. كما أن مصدر هذه الصعوبة، يعود إلى إلحاقنا لجمالية الواقع الافتراضي- باعتباره واقعا منتميا إلى نسق مغاير للأنساق الأخلاقية- بجمالية المتخيل الإبداعي، الذي درجت المقاربات التقليدية على وضعه في سياق الكذب الأكثر عذوبة. أي المنتقم فنيا وجماليا، من بشاعة الكذب في طبعته اليومية والمعيشة، خاصة منها تلك المستبدة بكل من المجال السياسي والاجتماعي. والحال، إن مقولة الكذب الإبداعي، تستوحي دلالتها من التحديدات المتعارف عليها، في كل من مرجعيتها التراثية والحديثة أيضا لمفهوم الإبداع، بصفته شكلا استثنائيا من أشكال الوجود المغاير لكل ما هو واقعي ومألوف، بتوسله لمنظومة متكاملة، ومتنوعة من المفاهيم، ذات المرجعية البلاغية والمجازية، على غرار المبالغة، والغلو، الإفراط، الإيهام، الإمكان، الاستحالة، الموظفة عادة في توصيف القول الشعري. وهو إشكال يستقل بأسئلته الإبستمولوجية، التي تحتاج إلى مقاربات متخصصة ليس هنا مجالها. إلا أن ذلك لن يمنعنا، من التأكيد على أن القائلين بجمالية الكذب الإبداعي، يكشفون عن جهلهم المطبق، بآلية إنتاج الخطاب الإبداعي، الذي تقتضي مقارباتها توظيف مقولات أكثر إجرائية، من مقولات الصدق، باعتبار أن ما تقدمه لنا النصوص الإبداعية الكبيرة، هي خلاصة رؤى إبداعية، منسجمة مع شروط إنتاجها، التي لا تسمح بمقاربتها على ضوء ثنائية الصدق والكذب. إن ما يعنينا الآن، هو التركيز على تفاقم ظاهرة لعبة التخييل، التي أصبح معها الواقع، مهددا بفقدان مرجعياته التقليدية، التي يستمد منها مصداقية حضوره ووجوده، في قلب العلاقات الإنسانية، بما يمنح الكذب البشري، حق الانفلات من تلك البؤرة المتوحشة، التي تنشط فيها بكتيريا الضحالة، واللؤم والخواء، والنهب، كي يطمئن إلى استشرائه الطبيعي والتلقائي والمبرر، في تضاعيف حياتنا اليومية والثقافية. هكذا يتحول الكذب، وقد تقنع بقوة وجمالية الافتراضي، وأيضا بجمالية الإبداعي، إلى مكسب حضاري، له متعته وجاذبيته، التي أوشكت أن تتحول إلى ضرورة أساسية، تساهم في الحفاظ على التوازن الفيزيائي، والحيوي لهذه القرية الغامضة، المسماة بالكون، ليس فقط بالنسبة للكائنات البشرية، بل أيضا بالنسبة للحيوانات والنباتات والملائكة والشياطين، كما يؤكد على ذلك الخبراء والدارسون، من ذوي الاختصاصاصات الدقيقة. ولعل العنصر الأكثر إثارة في الظاهرة، هو تلك المفارقة العجائبية، التي تحدثها لدى متلقيها، حيث يتضاعف تأثيرها، ليأخذ شكل صدمة كهربائية، تستهدف وبقسوة، تلك البؤرة المعقدة، والمتمركزة عادة في صلب أجهزتنا المفاهيمية. ولعل مصدر تلك الصدمة، يعود إلى ما يحدثه الانتقال ذاته، من خلخلة عنيفة ومباغتة، لتلك العلاقة القائمة بين الكائن وقناعاته، التي غالبا ما تكون موسومة بخاصية التوازن، على أساس تعاقدات مبدئية مكرسة وثابتة. إنها الخلخلة التي تعصف بمنطق اشتغال تلك الأجهزة المفاهيمية، كما تعصف ببنية الذوات الحاضنة لها، أي بما هي تعبير رمزي، عن حالة ذلك التأرجح اللامتوقع، الخاطف والمزلزل، الذي يقع الفرد والجماعة فريسة له، حينما يتعذر عليهما معا، الإبقاء على موقع قدم ما، يمكن أن يمنحهما قليلا أو كثيرا من الثقة، في فعالية القيم، التي تتحكم بشكل أو بآخر، في توجيه وهندسة مصائرهما. والتركيز على الصدمة المدمرة، هو تركيز ضمني، على تلك الهزات العنيفة التي تحدثها مؤامرة الكذب في الذوات، والمجتمعات، والأمم. كما أن التركيز على الصدمة، يتوجه باهتمامنا إلى ردود الأفعال السيكولوجية، والفكرية الصادرة عن الذات، فردية كانت أو جماعية، وهي تعيش ظروف تورطها في الملابسات المباغِتة لفعل الانتقال، أو الاختلال الناتج عن تعرضها لاختراق غير متوقع، من قبل الأكاذيب. ويمكن حصر هذه الردود في لحظتين مركزيتين، هما على التوالي: لحظة الانتقال من التشكيك في ما كان معتقدا به، إلى لحظة الاعتقاد في ما سبق أن كان موضوعا للتشكيك، مع التذكير بتعدد نوعية ومستويات الانقلابات، الناتجة عن تداعيات تقابل اللحظتين، التي يمكن أن يكون لها دور جد مؤثر، في تغيير مسار هذه الذات الفردية، أو الجماعية. تغيير، قد يرتفع معه منسوب الخطورة، ليبلغ في أحايين كثيرة، أقصى درجات التدمير، مادام الأصل فيه، يعود إلى ممارسة منحطة، تنتمي في جوهرها، إلى أقصى درجات المكر، بسبب قدرتها على التمظهر بمسوح، تبدو بعيدة عن أي شبهة محتملة.على أساس هذه التصور، سيكون بوسع قراءة غير آثمة بالضرورة، أن تعيد فتح عدد مهم من الملفات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، التي كانت السبب المباشر في تفجير الكثير من التوترات التاريخية، المحتفظة بقوة حضورها في الذاكرة الإنسانية، سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي، على أساس امتلاك هذه القراءة، لما يكفي من القدرة على تحييد سلطة المكر، كي تكشف عن الوجه الحقيقي، لجهاز تصنيع الكذب، وقد أمسى خاليا من مساحيقه التمويهية، ومسوحه المضللة.ومن المؤكد، أن جهاز تصنيع الكذب لدى مصاصي الدماء البشرية، يستمد مشروعيته وقدرته على العمل
أولا:، من استثماره الذكي والمخاتل، لما يتمتع به البسطاء، من قابلية سخية لتصديق كل ما يتفاعل مع بنيتهم المعرفية والسيكولوجية، إن سلبا أو إيجابا. وهي قابليةٌ مهيأة لصرف اهتمامها إراديا، عن تلك الحاشية المعجمية التي ترافق الكذب في حله وترحاله، من قبيل الخداع- الزور– النفاق- الرياء- الدجل- الافتراء. ومن المؤكد أن قابلية التصديق هاته، تعود إلى حضور استعداد فطري وتلقائي، لدى الأغلبية الساحقة، للإذعان إلى تلك السلطة التمويهية، التي تتمتع بها هذه الحاشية المعجمية، والتي تتحول إلى حجاب يخفي الوجه البشع للكذب، كما تتحول أيضا، إلى أقنعة يستبدل بعضها البعض الآخر، الشيء الذي يحول دون ضبط إستراتيجيتها المضمرة والمعلنة في آن.
ثانيا: تنامي تداعيات الثورة الإلكترونية، التي يعيش العالم على عنف إيقاعاتها، والتي تساهم في محو ذلك الخط الرهيف، الفاصل بين الواقع والمتخيل.
ثالثا: استمراء كل من الأفراد والجماعات، على حد سواء، وتحت ضغط الإكراهات العلمية، والحضارية أيضا، لعبة الخلط بين الواقع والمتخيل، إن لم نقل، الانتصار ضمنيا، وعن حسن نية، لعالم أمسى ذا طبيعة افتراضية، شبه خالصة، بتعدد مستوياته العلمية والإبداعية والترفيهية. وفي قلب لعبة الخلط هذه، تستطيب مسوخ الوقت تأجيج وتصعيد وتيرة مقالِبِها، وقد أصبحت أكثر اطمئنانا إلى مشروعيتها. هكذا ومن منطلق هذا الواقع الجديد، سيكون محتملا، تعميم مقولة جمالية الكذب، لتشمل التنظيمات الحزبية والنقابية، إلى جانب المؤسسات الرسمية الموازية لها، كما يمكن تعميمها على الكثير من الفضاءات الثقافية والأكاديمية. والمجد لمقالب الزمن الافتراضي.

blog comments powered by Disqus

مقالات مشابهة

العدالة PDF

Capture

ملحق العدالة

mulhaq-preview

استبيان

الطقس في بغداد

بغداد
23°
36°
Sat
34°
Sun
الافتتاحية